هذا ليس تصريحاً بالحب يتزامن مع عيده.
عيد الحب «يكمد» على روحها. قطع الحلوى على شكل قلب والدببة القماشية المحشوّة المعروضة في واجهات المحلات بذراعين مفتوحتين لمن سيدفع ثمنها ويهديها إلى آخر يعتبرها رمزاً للحب. الأحمر المنفلش في الزوايا وعلى الجدران يصيبها بالغثيان. تكتب ما تكتبه لأن المعنيّ غير حاضر بالجسد قربها، لأنه في قارة أخرى. ولحسن حظها انه سيقرأ وهو بعيد، ولحين عودته سيكون قد استجد في حياته مئة لحظة تستأهل تفكيره.
هذا ليس تصريحا بالحب. لا تدري ما هو. سيل من كلمات مترنحة هي أجبن من أن تنطق بها، لذا نفذت إلى الورق. ولو كتبتها وهو حاضر لظلت تتفاداه خجلاً حتى ينسى.
هو تصريح عمّا تحب فيه ومعه. وهو كثير. أكثر مما تحتمل كلماتها.
تحب لحظات الرعب الاجتماعي التي تسببها له. المواقف التي تضعه فيها، من دون إنذار. وكيف انه، في كل مرة، يصارع رهاباته الاجتماعية الصغيرة من دون ضجة، بكلام قليل، بعينين مفتوحتين على وسع المفاجأة. كيف قبل لقائهما، يخبرها بأنه لا يرغب برؤية سواها. وكيف، في كل مرة، تخلق ظرفاً ما ليجتمع معهما آخرون لا يعرفهم. ترعبه وتحب ذلك. وتلك النظرة المرتاعة على وجهه حين تمسك يده وتعبث بأصابعه وهما جالسان وسط الناس، تحبها. أحياناً، لشدة تعلقها به، تخاف أن يكون شخصاً مخترعاً، رفيق لعب خيالي يرقص وحيداً وسط ازدحام حياتها. لدرجة أنها حين يفترقان، تسير بجسدها إلى الأمام وتشعر بقلبها عالق خلفها. مرة أخبرها أنه، معها، تبقى أعصابه مستنفرة. يستاء منها حين تعده بزيارة الطبيب وتتخلف. حين يسألها عن نتائج فحوص مخبرية ويكتشف أنها تماطل بإجرائها. تحب حين يستاء من إهمالها لصحتها. كيف يبدل نبرة صوته وكيف يقول انه لن يضحك لأنه لا يمزح. يروقها استفزازه. لكنه أبرع منها في لعبة الاستفزاز.
الحالة معه تشبه تأمل قوس قزح من على تلة شديدة الخضرة، نائية. تشبه المشي على عشب أملس مبلل بقدمين حافيتين تحت سماء مشمسة بالدرجة المناسبة لتدفئ من دون أن تحرق. تشبه الاستماع إلى اديث بياف وشارل ازنافور يتغزلان بعينين «أكثر زرقة من زرقة السماء».
يكفي أن تفكر به لتبتسم. تكتب لعماد عنه. تفكر انه بمجرد أن يستحوذ على حيز من المراسلات بينها وبين عماد، يعني انه بات يحتل حيّزاً من حديثها مع نفسها. تخبر عماد بأنه حين ينظر إليها، تشعر بفراشات «تفرفر» أسفل معدتها. لا تدري ما في عينيه. في كل مرة تنظر فيهما، تشعر كأنها تنظر في علبة شمس. تتساءل إن كانتا تبرقان هكذا طوال الوقت أم إنهما تلمعان احتفالاً باللقاء. تذكر مرة، قالت لها رفيقتها إنها تريد شريكاً «يحضن روحها وتحضن روحه». حضرتها عيناه فجأة لحظتها. ربما لأنها، في كل مرة ينظر إليها، يجتاحها دفء ملوّن بلون عينيه. كأن عينيه تحضنانها. أحياناً، ترغب كثيراً بأن يتلهّى عنها بالكلام حتى تتفرغ هي لتأمل عينيه لأنه لو لاحظ، قد تموت على الفور من خجلها.
مرة، كتب لها انه يبحث عن أسلوب أنيق ليقول لها «مساء الخير». ليس مضطراً للبحث كثيراً. هو أنيق من دون أي مجهود.
ذات مرة كتبت له أنها تتمنى لو تستطيع أن تخبئه. أنها فور انتهائها من قراءة رسائله، تخفي هاتفها تحت المخدة وتدعي أنها تخفيه هو كي لا «يسرقه» منها أحد. كي لا يسلبها أحد سرّها الجميل. حين التقيا بعدها، سألها عن سبب الحزن في تلك الرسالة. لم يكن حزناً، بل فرحاً خفياً. لكن خجلها في تلك اللحظة أقعد لسانها ولم تعط إجابة واضحة.
لأي خبر تتلقاه منه، رهجة. حين تلمح اسمه على شاشة هاتفها، يتغيّر شكلها. تشعر بحجمها يصغر، يتقوقع إلى الداخل. تحسّ بالأحمر يتسلل من وراء أذنيها وينتشر دفعة واحدة على كامل وجهها موغلاً بغمقه. تراودها رغبة فورية وملحّة بالاختفاء. إخفاء هاتفها، هوية المتصل ونفسها المتضائلة خجلاً. لا تعلم كيف تحولت إلى كائن لم تكنه يوماً، خجول.
تحب افتراض السيناريوهات وتخّيل ردّات فعله. حين يلاحظ أنها تقضم أظافرها حين تعجز عن السيطرة على قلقها، مثلاً. حين تخاف وحين تتوتر. تتخيله يتفاجأ. يشهق بعينيه. وهو حين يتفاجأ لا تعود ترى من وجهه سوى عينيه. أو حين يعلم أن نظرة طفل يشحذ على الرصيف، وسيارات المدينة تنفث دخانها ورواسب مازوتها في وجهه الصغير، تحكم قبضتها على معدتها لساعات. أو حين يكتشف أن النهايات الهوليوودية السعيدة لأفلام الحب لا تزال تملك تأثيراً عليها. تغلفها بمزيج من السعادة والخفة والراحة. مثل ذلك الذي ينتجه طعم الشوكولا أو يخلّفه الماء الساخن على عضل متشنج بعد يوم مرهق. تتخّيله يضحك على التشبيه. أو الأرجح على دخولها في تفاصيل وتفرعات لوصف بسيط. هي تحب تفاصيل القصص. تنشغل بسردها لدرجة أنها أحياناً تقرر التخلّي عن نهاية قصة في سبيل تفاصيل فيها. تضحكه أحياناً، وتحب ذلك.
تستطيع أن تستمر بالكتابة لساعات عما تحب فيه لولا أنها تعلم انه لدى عودته، سيرغب بالحديث عما كتبت. ولذا ينبغي أن تنصرف الآن إلى التفكير بمواضيع تلهيه بها عن هذا التصريح.
عيد الحب «يكمد» على روحها. قطع الحلوى على شكل قلب والدببة القماشية المحشوّة المعروضة في واجهات المحلات بذراعين مفتوحتين لمن سيدفع ثمنها ويهديها إلى آخر يعتبرها رمزاً للحب. الأحمر المنفلش في الزوايا وعلى الجدران يصيبها بالغثيان. تكتب ما تكتبه لأن المعنيّ غير حاضر بالجسد قربها، لأنه في قارة أخرى. ولحسن حظها انه سيقرأ وهو بعيد، ولحين عودته سيكون قد استجد في حياته مئة لحظة تستأهل تفكيره.
هذا ليس تصريحا بالحب. لا تدري ما هو. سيل من كلمات مترنحة هي أجبن من أن تنطق بها، لذا نفذت إلى الورق. ولو كتبتها وهو حاضر لظلت تتفاداه خجلاً حتى ينسى.
هو تصريح عمّا تحب فيه ومعه. وهو كثير. أكثر مما تحتمل كلماتها.
تحب لحظات الرعب الاجتماعي التي تسببها له. المواقف التي تضعه فيها، من دون إنذار. وكيف انه، في كل مرة، يصارع رهاباته الاجتماعية الصغيرة من دون ضجة، بكلام قليل، بعينين مفتوحتين على وسع المفاجأة. كيف قبل لقائهما، يخبرها بأنه لا يرغب برؤية سواها. وكيف، في كل مرة، تخلق ظرفاً ما ليجتمع معهما آخرون لا يعرفهم. ترعبه وتحب ذلك. وتلك النظرة المرتاعة على وجهه حين تمسك يده وتعبث بأصابعه وهما جالسان وسط الناس، تحبها. أحياناً، لشدة تعلقها به، تخاف أن يكون شخصاً مخترعاً، رفيق لعب خيالي يرقص وحيداً وسط ازدحام حياتها. لدرجة أنها حين يفترقان، تسير بجسدها إلى الأمام وتشعر بقلبها عالق خلفها. مرة أخبرها أنه، معها، تبقى أعصابه مستنفرة. يستاء منها حين تعده بزيارة الطبيب وتتخلف. حين يسألها عن نتائج فحوص مخبرية ويكتشف أنها تماطل بإجرائها. تحب حين يستاء من إهمالها لصحتها. كيف يبدل نبرة صوته وكيف يقول انه لن يضحك لأنه لا يمزح. يروقها استفزازه. لكنه أبرع منها في لعبة الاستفزاز.
الحالة معه تشبه تأمل قوس قزح من على تلة شديدة الخضرة، نائية. تشبه المشي على عشب أملس مبلل بقدمين حافيتين تحت سماء مشمسة بالدرجة المناسبة لتدفئ من دون أن تحرق. تشبه الاستماع إلى اديث بياف وشارل ازنافور يتغزلان بعينين «أكثر زرقة من زرقة السماء».
يكفي أن تفكر به لتبتسم. تكتب لعماد عنه. تفكر انه بمجرد أن يستحوذ على حيز من المراسلات بينها وبين عماد، يعني انه بات يحتل حيّزاً من حديثها مع نفسها. تخبر عماد بأنه حين ينظر إليها، تشعر بفراشات «تفرفر» أسفل معدتها. لا تدري ما في عينيه. في كل مرة تنظر فيهما، تشعر كأنها تنظر في علبة شمس. تتساءل إن كانتا تبرقان هكذا طوال الوقت أم إنهما تلمعان احتفالاً باللقاء. تذكر مرة، قالت لها رفيقتها إنها تريد شريكاً «يحضن روحها وتحضن روحه». حضرتها عيناه فجأة لحظتها. ربما لأنها، في كل مرة ينظر إليها، يجتاحها دفء ملوّن بلون عينيه. كأن عينيه تحضنانها. أحياناً، ترغب كثيراً بأن يتلهّى عنها بالكلام حتى تتفرغ هي لتأمل عينيه لأنه لو لاحظ، قد تموت على الفور من خجلها.
مرة، كتب لها انه يبحث عن أسلوب أنيق ليقول لها «مساء الخير». ليس مضطراً للبحث كثيراً. هو أنيق من دون أي مجهود.
ذات مرة كتبت له أنها تتمنى لو تستطيع أن تخبئه. أنها فور انتهائها من قراءة رسائله، تخفي هاتفها تحت المخدة وتدعي أنها تخفيه هو كي لا «يسرقه» منها أحد. كي لا يسلبها أحد سرّها الجميل. حين التقيا بعدها، سألها عن سبب الحزن في تلك الرسالة. لم يكن حزناً، بل فرحاً خفياً. لكن خجلها في تلك اللحظة أقعد لسانها ولم تعط إجابة واضحة.
لأي خبر تتلقاه منه، رهجة. حين تلمح اسمه على شاشة هاتفها، يتغيّر شكلها. تشعر بحجمها يصغر، يتقوقع إلى الداخل. تحسّ بالأحمر يتسلل من وراء أذنيها وينتشر دفعة واحدة على كامل وجهها موغلاً بغمقه. تراودها رغبة فورية وملحّة بالاختفاء. إخفاء هاتفها، هوية المتصل ونفسها المتضائلة خجلاً. لا تعلم كيف تحولت إلى كائن لم تكنه يوماً، خجول.
تحب افتراض السيناريوهات وتخّيل ردّات فعله. حين يلاحظ أنها تقضم أظافرها حين تعجز عن السيطرة على قلقها، مثلاً. حين تخاف وحين تتوتر. تتخيله يتفاجأ. يشهق بعينيه. وهو حين يتفاجأ لا تعود ترى من وجهه سوى عينيه. أو حين يعلم أن نظرة طفل يشحذ على الرصيف، وسيارات المدينة تنفث دخانها ورواسب مازوتها في وجهه الصغير، تحكم قبضتها على معدتها لساعات. أو حين يكتشف أن النهايات الهوليوودية السعيدة لأفلام الحب لا تزال تملك تأثيراً عليها. تغلفها بمزيج من السعادة والخفة والراحة. مثل ذلك الذي ينتجه طعم الشوكولا أو يخلّفه الماء الساخن على عضل متشنج بعد يوم مرهق. تتخّيله يضحك على التشبيه. أو الأرجح على دخولها في تفاصيل وتفرعات لوصف بسيط. هي تحب تفاصيل القصص. تنشغل بسردها لدرجة أنها أحياناً تقرر التخلّي عن نهاية قصة في سبيل تفاصيل فيها. تضحكه أحياناً، وتحب ذلك.
تستطيع أن تستمر بالكتابة لساعات عما تحب فيه لولا أنها تعلم انه لدى عودته، سيرغب بالحديث عما كتبت. ولذا ينبغي أن تنصرف الآن إلى التفكير بمواضيع تلهيه بها عن هذا التصريح.

