هل ينخدع العرب بالنموذج اللبناني؟

من يسمع اللبنانيين، "شعوباً" وزعامات وقيادات ومرجعيات مدنية رسمية او سياسية ومرجعيات دينية، يتحدثون عن "التجربة اللبنانية" يظن ان لبنان كان قبل الحرب جمهورية افلاطون الفاضلة او ربما افضل منها. فهو كان في رأيهم قبل الحروب التي عصفت به ذا نظام ديموقراطي جمهوري برلماني. وكانت الدولة فيه مدنية لا أثر فيها للطائفية ثم للمذهبية. وكان الدستور خالياً من اي اشارة للآفتين المذكورتين. اما المادة 95 منه التي وزّعت المواقع والوظائف على اساس طائفي ومذهبي فقد كانت موقتة بحسب النص. لكنها صارت دائمة مثل كل شيء في لبنان بحكم الممارسة حيث لا يدوم الا الموقت. وعلى رغم ذلك استمر اللبنانيون انفسهم في التفاخر بالدستور وتالياً بالدولة المدنية. وكانوا بذلك يكذبون على انفسهم وعلى محيطهم العربي كما على العالم. وكم مرة سمعنا "جهابذة" في القانون والسياسة يتحدثون عن ذلك بكل ثقة وجسارة كي لا نقول اكثر امام ديبلوماسيين يمثّلون دولاً عظمى وكبرى على رغم معرفتهم، او ربما جهلهم، ان هؤلاء يعرفون كل شيء عن لبنان ولا يمكن الضحك عليهم او الاستخفاف بهم.

ومن يسمع اللبنانيين انفسهم يتحدثون عن لبنان، في اثناء الحروب التي عاشوها وعانوا أذاها بين عامي 1975 و1990، يظن انهم ملائكة فيهم شيء من الله عز وجل، وان الويلات التي اصابتهم كانت بسبب "صيبة عين" خارجية، او حسد عربي واجنبي، أو طمع خارجي فيه، او بسبب حرص اسرائيل على ازالة النموذج التعايشي المثالي الديموقراطي التعددي المناقض لنموذجها العنصري الحاقد والرافض الغير او "الاغيار" كما تسميهم، او اخيراً بسبب رغبة اللاجئين الفلسطينيين المطرودين من بلادهم في وطن بديل، او رغبة المجتمع الدولي في جعل لبنان دولة بديلة لهم او خوف دولة عربية ان تصبح دولة لهم فقامت بكل ما استطاعت لـ"دفشهم" نحو لبنان. لكنهم في كل مواقفهم المذكورة كانوا يكذبون على انفسهم وعلى الآخرين. فالحروب المشار اليها التي عصفت بهم لم تكن "حروب الآخرين" على ارض لبنان إلّا جزئياً. كانت حرب "الشعوب" اللبنانية بعضها على بعض. اما تدخل الخارج المتناقض فيها فكان وبجزء منه استجابة رسمية لمطالبة كل منها بمساعدته ضد الآخرين. وكان بجزء آخر حماية لمصالح المتدخلين الخارجيين، وتنفيذاً لاستراتيجياتهم التي كان افضلها يعتبر لبنان ساحة يخوض عليها وبواسطة شعوبها صراعاته مع اعدائه، ويمكن ان تعود وطناً ودولة بعد انهاء الصراع، والتي كان اكثرها سوءاً من يعتبر لبنان جزءاً منه لن يقبل بديلاً من السيطرة عليه مباشرة او مداورة.ومن يسمع اللبنانيين اياهم يتحدثون، منذ انتهاء الحروب عام 1990 حتى اليوم، عن تقلّب المراحل والاوضاع يتأكد انهم لم يتعلموا شيئاً وانهم سيقعون في الاخطار مرة جديدة، علماً انهم بدأوا يقعون فيها. فمرجعياتهم السياسية تشيد بالتعددية اللبنانية والحريات والديموقراطية واحترام حقوق الانسان. ومرجعياتهم الروحية على تنوعها تعطي لبنان صفات لا وجود لها فعلاً مثل انه وطن الشركة والمحبة. فالشركة اساساً لا تبني وطناً. ربما تبني مؤسسات تجارية وتبقى دائماً معركة للانفراط بسبب الاطماع. والمحبة كذبة كبيرة، مع احترامنا لصاحب هذا الشعار، لا يعيشها اللبنانيون عملياً. علماً انها تنتقل بين الشعوب وفقاً للمصالح والاطماع والاهواء واجندات الداخل والخارج.

لماذا إثارة هذا الموضوع اليوم؟ ليس لـ"إهانة" الذي أنتمي اليه وطناً أبدياً مدنياً بل علمانياً حراً وديموقراطياً، و"شعوبه" التي تنتمي اليها الاكثرية الساحقة من اللبنانيين، بل لتحذير الدول العربية التي كشف "الربيع العربي"، وذلك كان معروفاً سابقاً على رغم "البروباغندا"، انها لا تختلف عن لبنان من حيث انقسام شعبها شعوباً متناحرة كل واحد منها يعتبر نفسه امة. والتحذير هو ان لا تقع "شعوب" كل دولة عربية او الشعوب العربية في "فخ" الاقتناع بأن "لبنان نموذج يحتذى" من الناحية الايجابية طبعاً، لأنها بذلك تحكم على اوطانها بقلق مستمر وصراع مستمر. فنقل هذا النموذج الى العراق سيعيد الحرب الاهلية اليه. والتحدث عن نقله الى سوريا سيجعلها دولة قابلة للعطب في اي ساعة. والامر نفسه في اليمن وحتى في مصر. فتقاسم السلطات والحكومات والمؤسسات والمواقع الكبرى والصغرى في كل دولة عربية يجعلها قابلة للتفتيت او يُفتِّتها، هذا ما تريده اسرائيل. فهل هو ما يريده العرب "الأقحاح"؟  

السابق
حزب الـله يتحضّر لأسوأ الإحتمالات
التالي
مجلس القيادة.. توقف