مع أن الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء في سنة 2011 التي تشارف نهايتها لم تشهد جوا عاصفا كذلك الذي سجل في الجلسة السابقة بسبب التصويت على ملف الأجور، فانها لم تمر أمس ايضا من دون استعادة ظاهرة الانقسام بين القوى المشاركة في الحكومة.
ذلك أن عدم صدور قرار مجلس شورى الدولة عن مرسوم زيادة الأجور الذي وضعه وزير العمل شربل نحاس، وفر على مجلس الوزراء استعادة الخلاف الحاد على هذا المرسوم، لكن ذلك أدى الى ترحيل مشكلة الاجور الى السنة المقبلة على خلفية أمر واقع غير مسبوق يتمثل في قرار طرفي الانتاج، الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام، المضي في تنفيذ التفاهم الذي توصلا اليه من دون انتظار قرار الحكومة.
أما الأمر الآخر الذي أثقل بانعكاساته على الحكومة، فتمثل في ملف الحدود الشمالية والبقاعية مع سوريا من جهة وعودة مسلسل التفجيرات الترهيبية في صور مستهدفا المطاعم والمتاجر التي تقدم الكحول وذلك عشية الاحتفالات برأس السنة الجديدة. ولم يختلف مشهد الانقسام الحكومي حيال هذا الملف عن الخلاف على الملف الاجتماعي، مما أملى "ابتكار" مخرج لجأ معه أهل الحكم والحكومة الى المجلس الاعلى للدفاع الذي دعي الى الانعقاد اليوم وسط تصاعد ملامح الاستياء الشعبي والنيابي الذي عمَّ عكار ووادي خالد بعد توغل الجيش السوري الى وادي خالد وقتله ثلاثة مواطنين من أبناء المنطقة.
وأفادت مندوبة "النهار" في القصر الجمهوري هدى شديد، ان الطابع السجالي طغى على الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء لسنة 2011 نظرا الى التناقض في مواقف اعضائه من بيان وزير الدفاع فايز غصن عن تسلل عناصر من "القاعدة" من عرسال الى سوريا. وانقسم الوزراء بين مؤيد لموقف غصن ورافض لإقحام لبنان في مسار الارهاب و"القاعدة" وحوادث سوريا.
وفي معلومات "النهار" ان الجلسة بدأت بمحاذرة الوزراء اثارة هذا الموضوع، غير أن وزير الزراعة حسين الحاج حسن بادر الى الدفاع عن موقف الوزير غصن والمعلومات التي أدلى بها الاخير، معتبرا أنه لا يجوز تركه يظهر كأنه يدلي بمعلومات غير مثبتة. لكن رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي أوضح ان وفداً من عرسال جاء مؤكداً استعداد البلدة للتعاون مع الجيش ومطالباً بنشر الجيش على الحدود، وقال: "من غير الجائز الكلام عن وجود قاعدة في لبنان وزجّ اسم بلدة لبنانية في مسار الارهاب لمجرد ورود معلومات من مكان ما".
وتحدث الوزير غصن مؤكداً ان معلوماته مبنية على معطيات مصدرها مخابرات الجيش، وروى كيف جرى صد الجيش عندما حاول توقيف احد المطلوبين في عرسال وقال انه لم يقصد عرسال كبلدة تؤوي الارهاب بل كحدود مفتوحة تستخدم لتهريب السلاح والمسلحين.اما وزير الداخلية مروان شربل، فأفاد انه نفى وجود قاعدة في لبنان والمعلومات التي تحدثت عن وجودها لعدم تبلغه اي معلومات كهذه بصفته وزير الداخلية.
وكانت مداخلة طويلة لوزير الاشغال العامة والنقل غازي العريضي انتقد فيها بحدة الاداء الحكومي متسائلاً : "هل نحن حكومة مسؤولة عن كل لبنان ام اننا حكومات لاكثر من طرف وحزب وفريق؟ وهل يجوز ان نرمي كلاماً في الهواء دون التأكد مما اذا كان مضللاً ام ملتبساً ام غير مبني على معلومات مؤكدة؟ وكيف ينظر الينا اللبنانيون وأي كلام يأخذون به، كلام وزير الدفاع ام كلام وزير الداخلية؟".
وشبّه التناقض في اجوبة اجهزة الدولة بما اثير سابقاً عن تهريب سلاح الى سوريا عبر مرفأ "سوليدير"، الى ان قال المجلس الاعلى للدفاع كلمته نافياً وجود خلية لتهريب السلاح بل عملية تهريب تجاري كانت تحصل في المرحلة التي سبقت الحوادث في سوريا وبعد ايام جرت تخلية اشخاص اوقفوا اعتباطاً.
وقد تقرر، حسماً للجدل، ان يدعو رئيس الجمهورية ميشال سليمان المجلس الاعلى للدفاع الى الانعقاد في التاسعة من صباح اليوم في قصر بعبدا.
ثم اثير موضوع التفجير الذي استهدف مطعماً في صور امس، فعرض وزير الداخلية التحقيقات الاولية التي اجريت في الحادث، موضحاً ان صاحب المحل كان تعرّض للتهديد على خلفية اتجاره بالكحول وبيعها وقد يكون هذا الاعتداء تنفيذاً للتهديد.
ومعلوم ان مطعم "التيروس" استهدف فجر امس بعبوة ناسفة قدرت زنتها بكيلوغرامين، وذلك بعد نحو شهر من انفجارين مماثلين استهدفا مطعما ومتجراً لبيع المشروبات الروحية في المدينة. وأثار الانفجار الثالث موجة هلع في المدينة انعكست على الاستعدادات الجارية للاحتفال برأس السنة، اذ سارعت مطاعم عدة الى الغاء حفلات مقررة، بينما رفعت مطاعم اخرى لافتات تعلن فيها امتناعها عن بيع الكحول.
وتحدثت مصادر معنية جنوبية الى "النهار" عن احتمال قيام الفاعليات الاقتصادية في مدينة صور بتحرك في اتجاه القوى الفاعلة في المنطقة والمسؤولين الرسميين لوضع حد لهذا المسلسل الترهيبي الذي ينذر بانعكاسات وخيمة على الحركة السياحية والاقتصادية في المدينة.
اما في ملف الامن الحدودي شمالا، فشهدت منطقة وادي خالد أمس غليانا واكب تشييع القتلى الثلاثة الذي سقطوا برصاص الجيش السوري. وتبين وفق شهادات ومعاينات ان اكثر من 45 رصاصة اطلقت على الاشخاص الثلاثة الذين كانوا في سيارة بعدما توغلت دورية للجيش السوري في المنطقة. وهي منطقة آهلة، ولم يكن في حوزة القتلى او في السيارة اي سلاح.
وفيما حمل نواب عكار الحكومة مسؤولية وضع حد حاسم لهذه الممارسات وذهب بعضهم الى المطالبة برفع شكوى الى مجلس الامن، استنكر الرئيس سعد الحريري في بيان اصدره أمس "جريمة اغتيال الشبان اللبنانيين الثلاثة بنيران قوات الامن السورية"، محملاً الحكومة اللبنانية "مسؤولية ما يتعرض له المواطنون اللبنانيون والسيادة اللبنانية من جراء الاختراقات السورية المتكررة للمناطق الحدودية". وقال: "منذ مدة جرى اغتيال احد ابناء عرسال الأبية على ايدي القوات السورية، وقبلها وقعت اعتداءات وانتهاكات عدة للحدود اللبنانية – السورية ولم تحرك الحكومة ساكناً، والمطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى اتخاذ الاجراءات الضرورية من السلطات اللبنانية المختصة لحماية المواطنين اللبنانيين ومنع حدوث مثل هذه الاختراقات المستنكرة".

