«نعمة الحرب» لشرعنة المشانق.. كيف يوظف الولي الفقيه التصعيد الإقليمي لقمع الداخل الإيراني وتمرير موجات إعدامات سياسية غير مسبوقة؟

ايران

في وقت تتجه فيه أنظار العالم نحو طبول الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط، يجد نظام الولي الفقيه في إيران من خيم الحرب وتصاعد النزاعات الخارجية «نعمة استراتيجية» وركيزة بقاء أساسية لتحصين جبهته الداخلية المتهالكة.

وتحت ستار التصعيد الإقليمي، تحولت السجون الإيرانية إلى مسارح مفتوحة للتصفيات الميدانية والترهيب الممنهج لردع المجتمع الثائر، وسط تحذيرات حقوقية دولية عاجلة، ومطالبات اتسمت بالذعر أطلقتها صحف حكومية تدعو لوقف أحكام الإعدام مؤقتاً خشية الانفجار الشعبي الوشيك.

تضليل بزشكيان واعترافات الإعلام الحكومي بالفشل البنيوي

بينما تتركز أولويات النظام الأمنية في الداخل على توسيع نطاق المشانق وبث الرعب، يتولى رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان تطبيق سياسة التضليل والتنصل عبر مواقف تهدف إلى امتصاص الاحتقان؛ ففي 20 يوليو/تموز 2026، أبرزت وكالة «مهر» الحكومية تصريحاً لبزشكيان ادعى فيه أن «أهم ميدان للمعركة اليوم هو عرصة الاقتصاد ومعيشة الشعب!». إلا أن ما يلمسه المواطن الإيراني على أرض الواقع يعاكس تلك الشعارات، في ظل تجاهل كامل للاحتجاجات العمالية والفئوية وتصاعد الإعدامات.

وفي ذات السياق التضليلي، نشرت صحيفة «دنيای اقتصاد» الحكومية في عددها الصادر في 20 يوليو/تموز مقالاً بارزاً تحت عنوان «لماذا لا يحدث التغيير؟»، وجهت فيه أصابع الاتهام -دون تسمية صريحة- نحو مكتب الولي الفقيه ورؤساء السلطات الثلاث، معترفة بانسداد أفق الإصلاح البنيوي:

“إن المعتقدات التي جرى صياغتها لسنوات في قالب أولويات أمنية وأيديولوجية، تحولت اليوم إلى عائق صلب أمام أي إصلاح… إن الطريق الذي سُلك لم يكن صحيحاً، ولا بد من إحداث تغيير ماهوي في التوجهات وتحديد الأهداف”.

حالة الطوارئ في السجون.. إعدام مهدي خانكي وإنذار سجن دستكرد

تشهد السجون الإيرانية عمليات نقل مكثفة للسجناء السياسيين وسجناء الرأي نحو الزنزانات الانفرادية تمهيداً لتنفيذ أحكام الإعدام. وفي هذا الإطار، رصدت التقارير الحقوقية التطورات الخطيرة التالية في شهر يوليو/تموز 2026:

  • إعدام السجين السياسي مهدي خانكي: أقدمت السلطة القضائية فجر يوم الأربعاء على إعدام السجين السياسي مهدي خانكي (26 عاماً)، وهو خريج كلية الحقوق، شنقاً في مدينة كرج. وكان خانكي ملاحقاً منذ انتفاضة يناير 2026 وجرى اعتقاله في 10 فبراير الماضي، حيث تعرض لتعذيب شديد أُبلغت به المقررة الخاصة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
  • إنذار سجن دستكرد بإصفهان: نشرت «رابطة الأكاديميين الإيرانيين في المنفى» بياناً عاجلاً عبر منصة (X) كشفت فيه عن وضع بالغ الخطورة يتهدد المحتجزين، حيث جرى نقل 14 سجيناً بشكل مفاجئ إلى الزنزانات الانفرادية في سجن دستكرد بمدينة إصفهان، وسط خطر داهم بتنفيذ 12 حكم إعدام خلال ساعات قليلة.

رجاءٌ مذعور من إعلام النظام: «عطلوا الإعدامات مؤقتاً!»

تتجلى أبعاد الرعب الحكومي من النقمة الشعبية العارمة في الموقف الاستثنائي والمفاجئ الذي اتخذته صحيفة «اطلاعات» الحكومية الصادرة في 20 يوليو/تموز، حيث وجهت نداءً مباشراً ورجاءً مذعوراً إلى رئيس السلطة القضائية تحت عنوان: «عطلوا الإعدامات مؤقتاً!».

وجاء في تفاصيل هذا المطلب الذي يعكس هلع أروقة القرار من الانفجار الداخلي:

“إن الوقت متسع للتعزير والإعدام، ولا يمكن اعتبار الأخبار المتسارعة وارتفاع أرقام الإعدامات مؤشراً إيجابياً أو دليلاً على القوة والسيطرة!”.

وتؤكد هذه الاعترافات أنه على الرغم من هيمنة أخبار الحرب الخارجية على وسائل الإعلام، يظل الهاجس الأكبر لنظام الملالي هو خوفه من الأغلبية الشعبية الساعية لإسقاطه، والتي تحاول السلطة القضائية ترهيبها تحت ستار التصعيد العسكري الإقليمي.

فشل استراتيجيات الاسترضاء وحتمية البديل الديمقراطي

تؤكد القراءات الاستراتيجية ما بعد الأحداث الأخيرة فشل المقاربات الدولية والخارجية المتخذة تجاه طهران، وتتلخص في محورين:

  1. عقم الاسترضاء والضربات العسكرية: أثبتت التجربة أن مسارات التفاوض والاسترضاء الدولية، وكذلك الضربات العسكرية الخارجية، عاجزة عن صياغة حل سياسي مستدام أو كبح جماح النظام، نظراً لكونها تتجاهل المحرك الأساسي للتغيير.
  2. حتمية البديل الديمقراطي الداخلي: يكمن الخلل الجوهري في السياسات الدولية في إغفال قوة الشعب الإيراني الواعد وقدرة البديل الديمقراطي الداخلي؛ وهو القوة الوحيدة القادرة على تفكيك بنية نظام الولي الفقيه من جذورها، وإنهاء سياسة التضحية بمقدرات إيران، وإرساء دعائم الاستقرار والحرية الدائمة.

    وتثبت الوقائع المتقاطعة أن الحرب الخارجية التي يغذيها النظام الإيراني ما هي إلا أداة لشرعنة المشانق في الداخل وتغطية الفشل الاقتصادي البنيوي. ومهما طال أمد التصعيد الإقليمي واستغلاله إعلامياً، فإنه لن ينجح في محو المسائل الجوهرية التي تؤرق الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني المتمثلة في الانهيار المالي، تزايد الإعدامات، والإصرار النافذ على إسقاط نظام الولي الفقيه بالكامل لصالح بديل ديمقراطي وطني.
السابق
الحرس الثوري يقصف القواعد الأميركية ورد واشنطن يتمدد لشمال إيران وبحر قزوين