من الرسائل المباشرة التي نقلها رئيس المحكمة الدولية ديفيد باراغوانث، لا سيما إلى الرئيس نجيب ميقاتي، حول تداعيات عدم وفاء لبنان بالتزاماته المالية تجاه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، إلى المهرجان الذي تقيمه قوى 14 آذار في عاصمة الشمال طرابلس الأحد المقبل، ضمن برنامج حشد واسع ورسائل سياسية وصفت بالنوعية، تتصل بحكومة الرئيس ميقاتي والتمويل والأداء إزاء ما يجري في سوريا، إلى جبهة الخلافات المتفاقمة بين الرئيس ميقاتي وكل من حزب الله والنائب ميشال عون والنائب وليد جنبلاط حول مشروع قانون النسبية، فضلاً عن الأفق العربي المسدود مع عدد من الدول لا سيما دول الخليج، على خلفية ما يوصف بالانحياز اللبناني الى جانب سوريا، من دون إقامة الحسابات الكافية لما يترتب على موقف كهذا، يبدو أن رئيس الحكومة، بعد مرور أكثر من مائة وثلاثين يوماً، قرر الخروج عن الصمت والتحدث عن كل ما يشغل بال اللبنانيين من أسئلة تحتاج إلى إجابات، مستبقاً الإطلالة الإعلامية على شاشة تلفزيون المؤسسة اللبنانية للإرسال مساء اليوم، بعدم مجاراة <حزب الله> بالمطالبة باستدعاء السفيرة الأميركية في لبنان مورا كونيللي لسؤالها عن وجود خلايا تجسس في السفارة الأميركية في عوكر للتجسس على اللبنانيين والمقاومة، من زاوية أن ما يحصل اعتداء على الأراضي اللبنانية وعلى السيادة، إذ أوضح وزير الإعلام وليد الداعوق، أن <حقيقة الأمر ليس استدعاء بل الحصول على معلومات من السفارة الأميركية حول صحة المعلومات التي تحدثت عن تجسس وذلك بواسطة وزير الخارجية عدنان منصور الذي اجتمع بالسفيرة الأميركية·
وهذا الموقف الذي يكشف عن تباين واضح بين رئاسة الحكومة و<حزب الله> ليس وحده في واجهة التباينات بين الطرفين، إذ أن الانفجار المدوي الذي وقع في بلدة صدّيقين بعد منتصف ليل الثلاثاء، والذي رغم تقليل الحزب والأجهزة الأمنية المعنية من شأنه، إلا أن المعلومات المتوافرة تكشف عن إحراجات لبنانية إزاء الأسئلة التي تنهال على المسؤولين من الديبلوماسيين الأجانب والملحقين العسكريين عن حقيقة ما جرى، وعما إذا كان صحيحاً أنه ناجم عن إنفجار لغم أرضي من مخلفات عدوان 2006، أم نتيجة عمل استخباراتي معادٍ، قضى بتفجير مخازن أو أسلحة أو خلاف ذلك في منطقة في خراج بلة صدّيقين، شهدت مواجهات وغارات اسرائيلية معادية في العدوان الأخير، وهي موضع مراقبة وتجسس من الطائرات الاسرائيلية المعادية·
وتجزم مصادر شبه رسمية لبنانية، أن لبنان دخل فعلاً في دائرة الضغط، سواء عبر المعطيات الماثلة أمام الرئيس ميقاتي، أو الرسائل أو برقيات التهنئة بالاستقلال التي تلقاها الرئيس ميشال سليمان من كل من الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، والتي شددت على أن احترام لبنان للقرارات الدولية يتمثل بإيفائه للالتزامات المالية للمحكمة·
وتوقفت المصادر عند حدث رعاية المملكة العربية السعودية بشخص خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وولي العهد الأمير نايف، توقيع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح مع أطراف المعارضة اليمنية إتفاقية نقل السلطة سلمياً، معتبرة أن توقيع الاتفاقية، وفي الرياض بالذات يُؤكّد فعالية دور المملكة تأثيرها في احتواء الأزمات العربية الخطيرة، مشيرة إلى أن وضع الاتفاقية في اليمن موضع التنفيذ، مع الانفراج الذي طرأ في وضع البحرين، من شأنه توجيه اهتمام الجامعة العربية ودول الخليج إلى لبنان وسوريا، من زاوية تفعيل الدور العربي في استنباط آلية لوضع المبادرة العربية في مرحلة التسوية مع سوريا·
لكن المصادر استدركت أن تطوّر الوضع هو الذي يتحكم بتطور الأوضاع الداخلية اللبنانية، سواء أعلن الرئيس ميقاتي نيته الاستقالة إذا لم تمول المحكمة، في الإطلالة التلفزيونية اليوم أو احتفظ بهذه الورقة في جيبه، من خلال الاعتكاف ضمن نظرية الاستقرار وتمويل المحكمة سلّة واحدة·
وكانت مصادر مطلعة في السراي الحكومي، قد كشفت بأن الرئيس ميقاتي، سيتحدث اليوم في المقابلة مع الزميل مارسيل غانم، للمرة الأولى عن استقالته، بوصفها إحدى الخيارات التي لا تزال قيد الدرس، في حال فشل مجلس الوزراء في إقرار تمويل المحكمة في الجلسة المقررة في 30 تشرين الثاني الحالي·
ولفتت إلى أن هذه الإشارة والخيارات المطروحة امام رئيس الحكومة، تكشف حقيقة تباين المواقف بينه وبين حلفائه في الحكومة، وتحديداً <حزب الله> وحركة <امل>، الذين يكتمون ردة فعلهم، إزاء التلويح بالاستقالة، وهو أمر ليس جديداً، ويكتفون بالاعلان بأنهم لا يتمسكون ببقاء الحكومة ولا يضغطون كي يستقيل رئيسها، باعتبار ان الرئيس ميقاتي هو صاحب القرار الاول والاخير في بقاء او استقالة حكومته، وهو موقف يخفي ضمناً نوعاً من اللامبالاة، الذي لا ينسجم وحقيقة الضغوط التي يتعرّض لها رئيس الحكومة، وحقيقة المعاناة التي يختزنها الرجل إزاء بيئته وموقعه الشعبي والطائفي·
وفي تقدير المصادر المطلعة أن استقالة الحكومة قد يكون ايذاناً لبدء مسار عسير من تصريف الأعمال، قد يمتد حتى موعد الانتخابات النيابية في ربيع سنة 2013، الا أن هذا المسار قد يكون اهون الشرور، انطلاقاً من أن الاستقالة تحفظ البلد من تداعيات التملص من التزاماته الدولية تجاه المحكمة، وتقيه نسبياً هول العقوبات السياسية والاقتصادية المرشح أن يتعرّض لها في حال امتنعت الحكومة عن التمويل من غير أن تستقيل·
غير أن هذا التحليل لا يأخذ بالاعتبار موقف دمشق التي لا تزال تتمسك برئتها اللبنانية متنفساً في مواجهة العقوبات المفروضة والمنتظرة، وبالتالي، فان دمشق لا تريد أن تعطل هذه الرئة من خلال فوضى لبنانية سياسية وحكومية غير مسبوقة ستنتج حكماً عن استقالة ميقاتي وعدم القدرة على تأليف حكومة جديدة، بل استحالة تكليف شخصية سنية أخرى نظراً إلى تبدل موازين القوى نسبياً مع الموقف الجنبلاطي المتأرجح منذ بدء الاحداث في سوريا·
ولفتت المصادر الى انه قد يكون امام الرئيس ميقاتي خيار آخر، هو الاعتكاف من دون ان يقدم على الاستقالة، تاركاً الاطراف تتخبط، الى ان تسير الامور وفق ما يريد·
إلا ان احد مساعدي مسؤول كبير بجزم بأن الاستقالة لن تقع، ملمحاً الى طرق مبتكرة يجري الآن البحث فيها من خلال اجتماعات انطلقت الليلة الماضية بين مسؤولين من حزب الله وموفدين من رئيس الحكومة او ممثلينه، لعرض كل الاحتمالات والبحوث الجدي في المخارج بما يتناسب مع المصلحة اللبنانية العليا، مع الاخذ في الاعتبار هواجس الحزب وحلفائه، مشيرة الى ان العودة الى صيغة مرسوم بسلفة خزينة قد يكون احد المخارج الجدية، الذي يجنب مجلس الوزراء كأس التصويت·
في كل الاحوال، فإن زيارة رئيس المحكمة الدولية للبنان، وان كانت اوساط السراي ادرجتها في خانة البروتوكول للتعارف، فإنها حملت ثلاثة عناوين بالغة الأهمية، وهي:
1 – ان تلكؤ لبنان من تسديد حصته في موازنة المحكمة (49% من رأس المال) بعد انتهاء المهلة المحددة في الاسبوع الثالث من كانون الاول سيؤدي حكماً الى احالة مجمل الملف الى مجلس الامن الدولي الذي سيدرس كل الاحتمالات والخيارات·
2 – ان الدول الراعية للمحكمة اعادت التأكيد للمسؤولين المعنيين فيها ان مسارها ثابت غير قابل للتطويع او الانحراف او العودة الى الوراء مهما كانت الظروف، وبصرف النظر عن اي تطورات على مستوى المنطقة·
3 – ان المسار الزمني للمحاكمات محدد بـ 3 سنوات، بمعنى ان النطق بالحكم النهائي يحتاج الى ثلاث سنوات من تاريخ بدء آليات المحاكمة·
وكانت غرفة الدرجة الاولى في المحكمة قد اعلنت امس انها قررت انتظار رد السلطات اللبنانية بشأن جهودها في سبيل توقيف المتهمين قبل بت مسألة الشروع في المحاكمة الغيابية، وطلبت من المدعي العام ايداع تقرير مرحلي عن رد السلطات اللبنانية بهذا الشأن في موعد اقصاه 8 كانون الاول، ويعود لقضاة الدرجة الاولى اتخاذ قرار بمحاكمة المتهمين غيابياً نظراً لعدم توقيف اي من المتهمين الاربعة حتى تاريخه·
التجسس الأميركي تزامناً مع ذلك، لزمت السفارة الاميركية الصمت، ازاء التقارير الصحافية التي تحدثت عن وجود خلايا تجسس اميركية داخل السفارة في عوكر، الامر الذي حدا بحزب الله، عبر وزيره في الحكومة حسين الحاج حسن، ورئيس لجنة الاعلام والاتصالات النيابية حسن فضل الله، إلى اعتبار هذا الاعتراف بمثابة اعتداء على دولة ذات سيادة والطلب من الحكومة باستدعاء السفيرة الأميركية وسؤالها عن الموضوع·
واللافت ان كتلة <المستقبل> التقت مع الحزب في الطلب من الحكومة توضيح الأمور للرأي العام· متسائلة في الوقت نفسه عن حقيقة منع القوى الأمنية من الوصول إلى مكان الانفجار في صديقين، وتوضيح ما جرى في بلدة عرسال، وعما اذا دخل الجيش البلدة بالفعل بحثاً عن مطلوبين، أم قام آخرون بذلك، أم قامت بانتحال صفة عناصر حزبية·
ودعت الكتلة في المناسبة، جماهير قوى 14 آذار وتيار المستقبل في طرابلس والشمال إلى المشاركة الكثيفة في مهرجان الأحد في طرابلس بمناسبة عيد الاستقلال·
وعلم ان مشاركة الرئيس سعد الحريري ما زالت تدرس من ناحيته ان يكون له خطاب في المهرجان عبر شاشة عملاقة، أو يكتفي بالخطاب الذي يلقيه رئيس الكتلة الرئيس فؤاد السنيورة، إلى جانب الخطباء الآخرين الذين تقرر أن يكونوا النواب: سمير الجسر، مروان حمادة وبطرس حرب·

