سوريا ما لها وما عليها

لم يعد من المبكر قراءة تداعيات المشهد السوري على الوضع الداخلي السوري وعلى دول المنطقة وتحالفاتها وتوازناتها أو انعكاسه على القضايا الإقليمية ومساراتها .. وبالتالي صار ممكناً مقاربة ما يجري على أرض الواقع خصوصاً مع بروز مؤشرات تستبعد الاقتراب من نهاية الأزمة التي تضرب العمق السوري. تسميات كثيرة أطلقت على هذه الأزمة، كلٌ من منطلق مفاهيمه وحساباته، لكن من المؤكد أنها بمعظمها ليست نتيجة حراك شعبي سلمي ولا هي إرهاصات حركة مطلبية تسعى لتحقيق أجندة إصلاحية بوسائل ديموقراطية، كما أنها لم تبرز كحالة تتوسل الحوار طريقاً لإثبات حضورها وتحقيق توازن شعبي أو حتى نخبوي في مواجهة السلطة .. إنما ما ظهر خلال هذه الأزمة يعبر عن مخطط يهدف الى تقويض النظام السياسي في سوريا وفكفكة تحالفاته الإقليمية بهدف إعادة تشكيله لينخرط في منظومة «عرب أميركا». وبعيداً عن سؤال الإصلاحات التي هي حق لكل سوري، فإن هذه الأزمة أفرزت مجموعة معطيات أبرزها: أولاً، إن جزءاً محدوداً من الشارع تمسك به قوى أصولية إجرامية تمارس الإرهاب وتستثمر الدم كأداة لإجبار المجتمع على مشاركته المواجهة مع السلطة، ومن الواضح أن هذه القوى كانت قد جهزت نفسها بالسلاح ووسائل الاتصال الحديثة وكافة الإمكانيات لإدارة معركة سياسية وإعلامية، ومن غير المنطقي القول إن ذلك كله ابن ساعته أو تم تكوينه بين ليلة وضحاها .. ثانياً ، إن الشخصيات «المعارضة» الموزعة بين الداخل والخارج التحقت تلقائياً بالقوى الأصولية وصارت تتحرك وفق إيقاعها وإيقاع ارتباطاتها الخارجية الدولية والإقليمية.

إلا أن أكثر ما ثبت خلال هذه الأزمة هو أنكشاف ضعف هذه الشخصيات خصوصاً على صعيد غربتها عن الشارع السوري وافتقارها الى مشروع «إنقاذي» واقتصار خطابها على شعارات معولمة تشبه الوجبات الجاهزة بعيدة عن أي قراءة للواقع السوري.. ثالثاً، حصل ما كانت تتمناه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وبعض الدول العربية والإقليمية منذ غزو العراق، وما بدأت تعمل عليه بعد انتصار تموز 2006 . فهذه المنظومة وجدت في الأزمة الداخلية السورية فرصة لطالما انتظرتها ومادة دسمة لابتزاز القيادة السورية على صعيد تحالفاتها الإقليمية ، لكن الأهم ممارستها ضغوطاً مختلفة بهدف إعادة توزيع القرار السياسي في السلطة وفق موازين ومعايير تضمن تكريس انفكاك هذه التحالفات والانتقال العملي الى المحور الأميركي وحلفائه في المنطقة .. معادلة وحيدة أنقذت سوريا وهي في طريق إخراجها من الأزمة وتداعياتها: الرئيس، الغالبية الساحقة من الشعب والقوى العسكرية والأمنية.كذلك فإن الأزمة في سوريا أثارت أسئلة كثيرة حول أسبابها الداخلية التي كانت كامنة أو تلك المعلنة والتي كان يحاول بعض أركان النظام تجاهلها أو تجاوزها تحت عنوان تقديم أولوية المواجهة الإقليمية على ماعداها. وقبل الشروع في تفنيد هذه الأسئلة، لا بد من الوقوف عند الواقع السياسي السوري الذي يمكن اختصاره بحزب البعث العربي الإشتراكي والأحزاب الرافدة له أو التي تدور في فلكه والتي اصطلح على تسميتها «الجبهة الوطنية التقدمية». فقد شكل هذا الحزب مدرسة ثقافية ـ سياسية استطاعت أن تطبع الأجيال السورية على مدى أربعة عقود تقريباً، بطابعها القومي المدني بحيث مكنها من تجاوز التعقيدات الطائفية والمذهبية المتجذرة في المجتمعات العربية، فصار السوري يعرف نفسه عند سؤاله عن هويته: أنا عربي سوري .. في حين كان معظم المواطنين العرب غارقون في «الانعزالية» الوطنية – مصر أولاً ، الأردن أولاً، لبنان أولاً ..إلخ- ولم يتبدل هذا الوضع السوري إلا شكلياً مع الحملة الإعلامية – السياسية التي رافقت اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش العربي السوري من لبنان، وصرنا نسمع بعض الأغاني الوطنية السورية التي تتغنى بهذا الانتماء المحدود مثل «أنا سوري يانيالي .. وغيرها».

أمران أساسيان أثرا على هذا المعطى التربوي القومي: أولهما، اتساع رقعة المد الإسلامي الأصولي في العالم العربي بعد 11 أيلول وأفغانستان والعراق على حساب الهويات القومية أو الوطنية. وثانيهما، سقوط المعطى السياسي القومي بعد خروج مصر ودخول العرب في ما سمي بعملية السلام، والأهم بالنسبة لحزب البعث فشل التجربة البعثية العراقية على أيدي صدام بل ثبوت لاعقلانية هذه التجربة إثر تورطها في حرب مدعومة من الغرب والعرب ضد الثورة الإسلامية الإيرانية مباشرة بعد انتصارها، وغزو صدام للكويت مما مهد الطريق للغزو الأميركي وحلفائه للمنطقة وأخيراً سقوط العراق بأكمله في القبضة الأميركية واجتثاث البعث من جذوره. والحال هذه كان من الواجب على القيادة السورية إجراء مراجعة حزبية سياسية وتنظيمية تعيد ترتيب الأولويات وفق المتغيرات المذكورة، بحيث يعاد النظر بمقاربة حزب البعث للواقع العربي وخصوصاً المفاهيم والمصطلحات التي وفدت على مجتمعاتنا والتي لطالما ركز عليها وحللها الرئيس الدكتور بشار الأسد في مداخلاته في أكثر من مناسبة، وبما يمكن هذه القيادة من الحفاظ على الجوهر القومي وتحديث آليات طرح المبادئ الحزبية كي تكون مؤهلة لجذب الشباب السوري وتسهيل انخراطهم في العمل الحزبي ولعبهم أدواراً قيادية كبدائل لحالة الترهل التي أصابت قيادات الحزب وانعكست خبواً في حضوره السياسي والإعلامي .. وإلا ما هو تفسير هذا القحط الذي ظهر خلال هذه الأزمة على مستوى الحضور السياسي والإعلامي لقيادات وكادرات الحزب في مواجهة الحملة على سوريا.

أما ثالثهما، فهو سؤال إصلاح النظام السياسي وتباعاً الدولة .. وعلى الرغم من التبريرات أو التفسيرات السياسية التي قد يسوقها محبو سوريا ـ وأنا منهم – لتأخر الرئيس ومعه بعض أركان النظام في قيادة عملية الإصلاح ووضع آلياتها وأجندات زمنية لتحقيقها، فإن الموءامة بين الحفاظ على الخيارات القومية والسير بعملية إصلاحية ولو بطيئة الإيقاع كان ممكناً لتفادي وقوع الرأي العام السوري في خطأ التمييز بين الرغبة يالإصلاح والاستجابة للحملات السياسية والإعلامية الخارجية الساعية لنقل سوريا من موقع سياسي الى آخر. وفي كل حال، وبعد أن كشفت الأزمة مواقع القوة والخلل في الوضع الحزبي وكذلك في بنية النظام والدولة فإن الوقت لم يفت للاستفادة من هذه التجربة خصوصاً على صعيد التمييز بين الصديق والعدو أو لجهة التحصن بالشعب الذي كان وما زال محباً للرئيس الشاب ويأمل منه الكثير.  

السابق
الاخبار: جدال يؤخّر القرارات التصعيدية: المراقبون فرصة أمام سوريا
التالي
إحياء الذكرى:هُزال الفتحاويين