تستمر الاهتمامات اللبنانية موزّعة بين تتبّع تطورات الوضع السوري المتلاحقة ومتابعة القضايا الداخلية سواء المتصل منها بالوضع الحكومي المهدّد بالتفسخ بفعل "التوتر الكهربائي" بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون، أو المتصل بالنزاع القائم بين الموالاة والمعارضة.
سوريّاً لم يأخذ الرئيس السوري بشار الأسد بـ"النصائح" التركية، ومضى في سياسة مواجهة الاحتجاجات التي تحصد يوميا مزيدا من القتلى والجرحى على وقع ارتفاع النبرة الدولية ضد النظام السوري، والإنذار التركي الأخير بوجوب "وقف عمليات العنف فورا والسير في الإصلاحات"، في وقت وجدت إيران في أحداث سوريا "شأنا داخليا"، منتقدة أي تدخل غربي وخصوصا الأميركي فيه. فيما سأل "حزب الله" على لسان أحد نوابه النائب حسن فضل الله: "إذا ضبط النظام في سوريا الأوضاع هل يتحمل لبنان أن يكون في عداء معها"؟
وفي غضون المقابل، ملأ الصراخ السياسي الأجواء اللبنانية وتبادل طرفا الموالاة والمعارضة المتنازعان الاتهامات، بحيث أن الموالاة عموما وحزب الله خصوصا جنّدوا طاقاتهم كلها للهجوم على المعارضة ولا سيما منها تيار "المستقبل"، وتمظهر هذا الهجوم بالكلام الأخير لنائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم الذي وصف التيار بأنه "ميليشيا مسلّحة يُهرّب السلاح إلى سوريا لزعزعة النظام"، الأمر الذي استهجنته كتلة "المستقبل" التي وجدت في هذا الموقف "محاولة بائسة وفاشلة من الحزب لاتهام الآخرين بما هو فيه بعدما اتسعت المشكلات التي يواجهها، وتوزّعت على أكثر من صعيد"، وحذرت "من إطلاق الاتهامات العشوائية عن تهريب للسلاح من مرفأ في بيروت، والتي تكذّبها الوقائع القضائية والبيانات الامنية، والتي تؤدي، اذا استمرت، الى مزيد من التأثير السلبي في حركة الاقتصاد الوطني".
وعشية المواقف الجديدة التي سيطلقها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في إفطار رمضاني اليوم، ويركّز فيها "على القضايا الحامية في لبنان والمنطقة"، مكرّرا "مواقفه السابقة من موضوع المحكمة الدولية"، توقفت مصادر سياسية وأمنية بقلق شديد عند ارتفاع منسوب التوتر على أكثر من مستوى، ورأت في "انتقال مسؤولي حزب الله من مرحلة التورية في توجيه الاتهامات الى المباشرة منها، مثلما ورد في خطاب قاسم أمس الأول إزاء تيار "المستقبل"، ما يوحي بأن قرارا سياسيا اتخذ ويقضي برفع سقف التوتير الذي يمكن أن تعكسه هذه الاتهامات الى اعلى منسوب متوقع".
الوضع الأمني
والى ذلك حذّرت المصادر الأمنية من الانعكاسات المباشرة التي بدأت تشير إليها التقارير الأمنية وبلوغ مرحلة التعبئة درجات متقدمة لا تخدم التدابير الوقائية المتخذة للحفاظ على الهدوء الأمني في البلاد. وقالت "إنّ الوضع الأمني هش ويمكن ان يتأثر بعد اليوم بأي حادث مهما كان بسيطا".
وكان انضم الى المسلسل الأمني انفجار غامض دوّى فجر امس في منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية لبيروت، واعقبه طوق حزبي امني مُنعت خلاله القوى الأمنية من دخول المنطقة، ليتبيّن لاحقا، حسب ما أذيع، انه ناجم عن عطل طارىء في محرك سيارة. وتبيّن أن السيارة المستهدفة هي لتاجر سيارات، فتوسعت التحقيقات للتأكد ممّا إذا كان مالكها على علاقة بأحد قتيلي انفجار أنطلياس الأخير.
نفي مشترك
وبعد ايام على ما نشرته "الجمهورية" عن تركيز راجمات صاروخية في تلة 888، وكذلك على تأكيد الوزير غازي العريضي حصول "حفريات" في تلك التلة وعزاها الى أشغال بلدية، والذي ناقضه النائب اكرم شهيب بقوله ان هناك موقعا للجيش اللبناني فيها، نفى "حزب الله" والحزب التقدمي الاشتراكي وجود اي انتشار أمني أو عسكري لحزب الله في بعض مناطق الجبل، وشدّدا "على العلاقة الطبيعية والجيدة بينهما، وسعيهما المشترك إلى تعزيزها وتطويرها من خلال التشاور والتنسيق الدائمين ميدانيا على الأرض".
لكنّ أوساطا في المعارضة اشارت لـ"الجمهورية" الى أن تأكيد المعلومات أو نفيها عن انتشار أمني أو عسكري في بعض مناطق الجبل "يبقى من مسؤولية الدولة اللبنانية وحدها"، محذّرة من "العودة إلى زمن لجان التنسيق وقوى الأمر الواقع على حساب الدولة وسيطرتها على كل التراب اللبناني"، ومشدّدة على "أن الدولة مطالبة بتطمين اللبنانيين عموما والمصطافين خصوصا عما تم تداوله أخيرا، وخصوصا أن هذه المعلومات الأمنية تتقاطع مع مناخات سياسية تؤكد امتعاض القيادة السورية الشديد وحزب الله من مواقف النائب وليد جنبلاط من حركة التغيير في سوريا".
وفي المقابل، رجّحت مصادر في الحزب الإشتراكي ان يكون ما جرى غايته تركيز منصات لوحدات فلسطينية تابعة لـ"الجبهة الشعبية – القيادة العامة"، وهو أمر رفضته قيادة الحزب ومعها اهالي المنطقة". واشارت الى "ان أمن المنطقة هو في عهدة الجيش اللبناني فقط الذي له وحده الحق بالتمركز في التلة منذ ان اقام مواقعه فيها بعد أحداث 7 ايار العام 2008".
من جهتها، نفت مصادر في 8 آذار وجود أي واقعة على الاطلاق للتسريبات الحاصلة، وقالت: "لذلك حرص "حزب الله" و"الاشتراكي" على إصدار بيان مشترك لأنّ البيان من جهة واحدة يظل مشكوكا في امره". واشارت الى "ثبات جنبلاط على موقفه حتى الآن، لكن لا يخلو الأمر من ان يرضي الرجل المعارضة في بعض المساحات التفصيلية".
دو فريج
وفي السياق، قال عضو كتلة "المستقبل" النائب نبيل دو فريج لـ"الجمهورية" ان مجرّد نفي واقعة تلة الـ888 بعد ايام عدة من المعلومات التي تحدثت عنها، معناه ان شيئا ما قد حصل". ولفت الى ان الجو المتشنّج راهنا مشابه للجو الذي سبق عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إذ نرى ان الاسلوب نفسه هو الذي يستعمل، لكن نأمل في ان لا نحصد النتيجة نفسها، لذلك نعتبر ان نجاح المحكمة الدولية ضمان لأصحاب الرأي الحر". ودعا الى عدم الاهتمام بالاتهامات التي اطلقها قاسم "والتي تدل الى ان فريقه يمر بفترة صعبة جدا وبتوتر شديد، بل يجب اعطاء التهديدات اهمية كبيرة، لأن ما قاله هو بمثابة تهديد، ربما لمسؤولين في تيار "المستقبل" او في 14 آذار او نواب او وزراء، فعندما يسمع المرء ما قاله ان ميليشيا تستعمل سلاحها عندما لا تعجبه قرارات حكومية، فهذا الكلام على من يطبَّق؟ من الذي استعمل سلاحه في الداخل في 7 أيار عندما صدر القراران الشهيران لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة؟ في النهاية، إنّه يصف نفسه بأنه ميليشيا ولم يعد مقاومة. لذلك اقول ان كلامه غير منطقي ولا احد يستطيع اعطاءه اي تفسير منطقي، الاّ ان هناك توترا كبيرا موجودا متأتيا نتيجة الأوضاع في سوريا والمحكمة الدولية التي يقترب استحقاقها أكثر فأكثر". وعمّا اذا كان متخوفا من استهداف ما لقيادات في تيار"المستقبل" وغيره، قال دو فريج: "آمل في أن أكون مخطئا، واتمنّى أن تكون اللعبة السياسية ديموقراطية فعلا، كي يستطيع المرء التعبير عن رأيه بلا خوف".
زيارة عبّاس
وخرقت المشهد الداخلي أمس زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لبيروت في الوقت الذي يستعد لبنان لترؤس مجلس الأمن الدولي الشهر المقبل، وبعد أن قرر المباشرة بالخطوات العملية للاعتراف بدولة فلسطين.
وجاءت زيارة عباس أيضا في سياق الحملة الدولية التي يقودها لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وفق حدود 4 حزيران 1967، ونيل العضوية لها في الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
وأوضح مصدر دبلوماسي لـ"الجمهورية" ان محادثات عباس مع المسؤولين اللبنانيين ستتمحور حول هذا الموضوع الذي يرى لبنان انه مطلب محق سينال تأييد غالبية اعضاء الجمعية العمومية للمنظمة الدولية التي ستنعقد في ايلول المقبل، ومن المتوقع ان تحصد السلطة الفلسطينية 128 صوتا في اطار الجمعية العمومية. إلّا ان لبنان الرسمي يرى من المستحيل، كرئيس مقبل لمجلس الامن، ان ينجح الفلسطينيون في انتزاع موافقة مجلس الامن نظرا إلى المعارضة الاميركية الشديدة لهذا المطلب، اذ يرى الاميركيون أنه الأجدى بالسلطة الفلسطينية ان تعود الى طاولة المفاوضات مع اسرائيل. وقال مصدر دبلوماسي لبناني "إن الدول التي سارعت الى الاعتراف بدولة فلسطين ستتعرض، لضغوط اميركية تثنيها عن الموافقة على هذه الدولة، لا بل فإنّ الضغط الاسرائيلي سيكون مضاعفا". واضاف "ان المسؤولين اللبنانيين سيبلغون الى عباس دعمهم الكامل لقبول لعضوية السلطة الفلسطينية كعضو في الجمعية العمومية والتمتع بحق التصويت لما سيعود بالنفع على الفلسطينيين لجهة المساعدات الدولية او دعم حقوقهم دوليا. ولفت الى ان القرار بتحويل مكتب ممثلية منظمة التحرير في بيروت الذي اعيد افتتاحه في ايار 2006 الى سفارة ما هو الا خطوة من لبنان تشكل دليلا إلى هذا الدعم بعد الموافقة الشكلية المبدئية على رفع مستوى التبادل الدبلوماسي بين الجانبين عام 2008".
وعلمت "الجمهورية" ان الدبلوماسية الفلسطينية وسّعت من حجم المواعيد التي حددت لعباس في مقر إقامته، بحيث شملت بناء على رغبته رؤساء أحزاب وقيادات سياسية وحزبية لبنانية يتقدمها الرئيسان أمين الجميل وفؤاد السنيورة.
مجلس وزراء
الى ذلك، يعقد مجلس الوزراء جلسته غدا الخميس في السراي ليبحث في جدول اعمال من 50 بندا، وستناقش خلالها خطة الكهرباء وفق ما اتفق عليه في الجلسة النيابية الاخيرة. وأقرّ وزير اكثري بصعوبة الوضع لجهة مناقشة المشروع، بعد المواقف الأخيرة لكل من عون والوزير جبران باسيل، خصوصا بعد ان صُوّر ان المشروع بات ملزما للحكومة بتبنيه، لكن الواقع هو غير ذلك، لأن المشروع يحتاج الى توضيح وما يزال كل طرف على موقفه بضرورة توضيح النقاط الغامضة فيه ووضع ضوابط قانونية له. وتوقع المصدر ان تتعقد الازمة بين عون من جهة وميقاتي وجنبلاط من جهة ثانية، وخصوصا بعد لجوء "التيار" الى تسريب تهديدات بالاستقالة من الحكومة.
وقال المصدر ان الأمر يبقى مرهونا بالمناقشات التي ستتم في جلسة مجلس الوزراء وطريقة تعاطي كل طرف مع المشروع.
الخليلان
وفي المعلومات أن "خليلي" حركة "أمل" و"حزب الله" يتحركان على خط السراي الحكومي ـ الرابية لتهدئة الأزمة بين ميقاتي وعون بعيدا من الاعلام. وقالت مصادر مطلعة ان الحديث عن استقالة وزراء عون "أمر مبالغ فيه قليلا، وهو كلام اعلامي ليس إلّا".
وقال مصدر وزاري لـ"الجمهورية" إن اتصالات جرت في الساعات الاخيرة في مسعى لتطويق ازمة تهديد عون باستقالة وزرائه إذا لم تتم الموافقة على اقتراح القانون الكهربائي. وكشف ان "حزب الله" تولى جزءا من الاتصالات، فيما كلف ميقاتي الوزير نقولا نحاس اجراء المشاورات مع فرقاء الحكومة بغية إيجاد حل يجنب الانفجار السياسي من جهة، ويؤمّن مخرجا موضوعيا لمجمل ملف الكهرباء.
وعلمت "الجمهورية" ان ثمة صيغا عدة تم التداول فيها لايجاد المخرج المقبول لدى الجميع والذي من شأنه منع تفجير الحكومة، ومن هذه الصيغ اخراج تنفيذ مشروع الكهرباء من حصرية وزير الطاقة.
وفي الموازاة قال وزير عوني لـ"الجمهورية" إن جلسة الحكومة غدا الخميس هي مفصلية بمعنى ان ثمة اصرارا لدى وزراء التكتل على بت ملف الكهرباء بكل تشعباته وليس فقط بما يتعلق باقتراح الـ700 ميغاوات في الخروج بنتيجة ايجابية، واما الخروج من الحكومة.
وكان عون أكد أمس أن "موضوع الكهرباء ليس قضية طائفية، بل من يفتعل المشكلة يريد "كوميسيون"، قائلا: "نحن نتوجّه إلى حلفائنا في الحكومة قبل المعارضة وهذا ليس بتهديد"، مضيفا "نحن لا نعمل الا من اجل خدمة وطننا ومن دون مشروع لن نقبل البقاء في الحكومة، وهناك قضايا ملتزمون بها".
وأكّد ميقاتي ليلا "المضي في ورشة العمل الحكومية على رغم كل الصعوبات والعراقيل المعروفة أو المستجدة، على قاعدة أساسية هي التمسك بالأصول والقوانين وحفظ المال العام، بعيدا من ضغط المواقف والتصريحات التصعيدية من هنا وهناك، أو لغة التهديد التي يحلو لبعضهم استخدامها". وشدد على "أن اللبنانيين سئموا الجدالات السياسية التي لا طائل منها، ويريدون أن يشعروا فعلا أن الحكومة تهتم بأولوياتهم الاجتماعية والانمائية، وأن المال العام الذي يجنى من جيوبهم يصرف في موقعه الصحيح". وأكد "أنه من هذا المنطلق تأتي مقاربتنا لملف الكهرباء الذي نحن في صدد دراسته وفق مشروع قانون سيناقش في مجلس الوزراء في خلال الأيام المقبلة لوضع الضوابط القانونية والادارية الكفيلة بحسن تطبيقه".
ابتزاز عونيّ لحزب الله
وفي سياق متصل، توقّفت مصادر سياسيّة عند قول عون بعد ترؤّسه اجتماع التكتل (…) "إذا أرادوا أن نبقى معهم، فنحن ما زلنا ملتزمين بالخيارات الكبرى وخصوصا المقاومة، ولكن إذا لم يمشوا بالمشروع فنحن لن نبقى في الحكومة وليسمحوا لنا…"، وهذا ما اعتبرته من جهة تهديدا لحزب الله لجهة قوله "ما زلنا ملتزمين"، أي أنّ التزامه ظرفيّ ومؤقّت، ومن جهة أخرى ابتزازا للحزب على قاعدة مقايضة دعمه للمقاومة بدعم الحزب لمشروعه الكهربائي. ورأت المصادر أنّ تكرار عون لرسائله، من قوله أنّ ثوب "الموالاة ضيّق علينا ونحن على وشك أن نمزّقه" إلى تهديده أخيراً بعدم البقاء في الحكومة، يتجاوز مسألة الكهرباء وتعقيداتها إلى خشيته من تداعيات انهيار النظام السوري، وهذا ما دفعه ويدفعه إلى التمايز عن سوريا وحزب الله وصولا في وقت لاحق، ربّما، إلى الخروج من الحكومة تحت عناوين وذرائع تقنيّة، بينما في الواقع يبدو أنّ عون بدأ يعيد ترسيم علاقته مع دمشق والضاحية في محاولة للبقاء على "قيد الحياة سياسيّا" بعد انهيار النظام السوري.

