جعجع وعون يتنافسان على ماجدة الرومي!

على الرغم من أنّ المعلومات الموثّقة تقول بأنّ آخر حرب استخدم فيها المتقاتلون سيوفهم وقعت قبل أكثر من مئة عام على الأقلّ، أي قبل عقود من تاريخ تأسيس أقدم حزب في لبنان، فإنّ أغنية من نوع "يا سيف الـ عَل أعدا طايل" تتحوّل في كلّ سهرة لبنانية الى مناسبة للتنافس بين المحازبين الساهرين، أو بالأحرى بين أيديهم… فتلوّح قبضات الشيوعيّين وترسم أصابع القوميّين زوابعهم، بينما يبدأ سباق محموم بين "مثلّثات" القوّات و"صحّات" التيّار، لاحتلال فضاء المكان.

وإذا كان تفسير سبب هذه الحماسة الجماهيرية للاستيلاء على الممتلكات الموسيقية العامّة وتحويلها إلى ممتلكات حزبيّة خاصّة يتباين بين من يعتبر الأمر تعبيرا لا إراديّا عن سلوك السطو المتجذر في أداء الأحزاب اللبنانية وممارساتها، منذ كانت ميليشيّات مسلّحة خلال الحرب الأهلية، وبين من يعتبره تعويضا عن نقص في الإنتاج الحزبي الموسيقي لدى بعض التنظيمات المذكورة؛ عِلما أنّ بعض هذه الأحزاب، ومع تقدّم الزمن وتناقُص الجماهير، بات يملك من الأغنيات والأناشيد أكثر ممّا يملك من المؤيّدين، فإنّ المؤكّد أنّ التباهي بأغاني الفنّانين، بل وحتى بالفنانين أنفسهم، والدخول في لعبة حسَبهم الحزبي ونسَبهم، عادة لبنانية أصيلة ورثها المحازبون الجدد عن قدامى المحازبين، وتحديدا الشيوعيين والقوميين منهم، والذين لا زالوا منذ بزوغ نجم الأخوين الرحباني وفيروز وحتى اليوم يحلّلون الميول العقائدية للثالوث الأشهر في تاريخ الفنّ اللبناني وفقا لتمنياتهم.

فيعتمد الشيوعيّون مبدأ الاجتهاد ومنه ينطلقون لتفسير كلّ أغنية رحبانية ضدّ الظلم على أنّها رسالة مشفّرة من عاصي ومنصور تعبّر عن قناعاتهم اليساريّة، بينما يجزم القوميّون بأنّ أغاني فيروز لفلسطين لا يمكن أن تصدر إلّا عن رفيقة سورية قومية اجتماعية، خصوصا وأنّ سفيرة الحزب إلى النجوم تصرخ داعية صوتها لأن "يزوبع بهالضماير ويخبّرعللي صاير"، عِلما أنّ كلا التحليلين لا يمتّ للحقيقة بأيّ صلة، فلا "الأخوين" الرحباني كانا يوما أخوين لتشي غيفارا في قناعاتهم، ولا الأخت فيروز كانت يوما رفيقة قوميّة اجتماعيّة، تماما كما أنّ التعاطف مع القضية الفلسطينية ومع المظلومين لم ولن يكون يوما حِكرا على أتباع كارل ماركس أو أتباع أنطون سعادة.

على العموم، فإنّ فيروز والرحابنة، وإن تحوّلوا مادة للتنافس الحزبي، فإنّهم تجنّبوا أن يعلنوا يوما أمام الجمهور، ولو تلميحا، عن قناعاتهم السياسية، بل فضّلوا أن يرسم كلّ لبناني صورتهم العقائدية وفقا لأهوائه، مستفيدين من حالة الغموض البنّاء التي خلقوها حولهم من أجل التحوّل إلى قاسم مشترك – قد يكون الوحيد – بين كلّ التيّارات السياسية، وليس أدلّ على ذلك من انّ أغنية من مثل " طلعنا على الشمس طلعنا على الحرّية"، رافقت كلّ الأحزاب في كلّ الاحتفالات، فرقص عليها العونيّون يوم عاد عمادهم، والقوّاتيون يوم خروج حكيمهم، تماما كما رافقت الأغنية ذاتها جمهور حزب الله في الحافلات المتوجّهة الى الجنوب اثر تحريره، وجمهور تيّار المستقبل في الحافلات المتوجّهة الى ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري في أعقاب انسحاب الجيش السوري من لبنان.

بالأمس القريب وقفت ماجدة الرومي على مدرج جونية، فغنّت بكلّ ما أوتيت من جمال صوت، ودعت بيروت الى القيام من تحت الردم.

وعندما فعلت ذلك راح رئيس الهيئة التنفيذية في القوّات اللبنانية سمير جعجع يلوح من مقعده في الصفّ الأمامي مؤيّدا لبيروت التي عنتها، وكأنّه فهم منها بأنّ الردم الذي أراد لها أن تقوم من تحته، هو ردم حرب تمّوز مثلا، والذي يقتنع جعجع كما حلفاؤه بأنّ حزب الله هو من تسبّب به.

في اليوم نفسه أيضا، وقف العماد ميشال عون (الذي حضر الاحتفال بدوره) أمام أنصاره مؤكّدا أنّ ستّ الدنيا التي غنّتها وغنّت لها ماجدة ليست سوى نسخة طبق الأصل عن بيروت "المدينة الفاضلة"، التي يحلم بها التيّار.. وحلفاء التيّار.

منذ بدأت ماجدة الرومي مسيرتها، قارن الكثيرون بينها وبين فيروز، فرأوا أوجه شبه كثيرة بينهما، وتوقّعوا أن تستلم الثانية من الأولى مفاتيح سفارة لبنان فوق النجوم عاجلا أم آجلا.

بالأمس القريب قطعت ماجدة خطوة إضافية على هذه الطريق، لكنها على الأرجح لن تقطع الطريق كاملا ما دامت تصمّم قبل وخلال وبعد كلّ حفل على إتحاف الحاضرين بآراء سياسيّة فيها الكثير من التنظير والقليل من العمق، فتحرم بذلك محبّيها من فرصة تخيّل صورتها على صورتهم (كما كانوا يفعلون مع فيروز) وتحرم نفسها من الاستفادة من ورقة الغموض التي يمكن أن تُلعب لتغطية "قلّة المعرفة".كثيرا ما تتحدّث ماجدة في السياسة، وكلّما فعلت ذلك تصبح أقرب إلى ملحم بركات منها إلى فيروز.

ومن شاهد حلقات أبو مجد مع نيشان ومع سواه، يدرك أنّ جمال الصوت وروعة اللحن لا يكفيان لجعل الفنّان محلّلا سياسيّا ولا حتى.. نصف محلّل.

السابق
ساحر بريطاني يسير على سطح الماء
التالي
مايك تايسون يتزوج.. زوجته