بيروت المترنحة فوق فوهة «الـ 66 يوماً» من العراء الحكومي بدت امس وكأن عينها على دمشق وقلبها على ابيدجان. فالعاصمة التي تفاخر بان «حربها» باردة، مشغولة بتعقب اخبار الاوضاع الساخنة، لا سيما في دمشق واخواتها في «الجمعة» المتعددة الاوصاف مع كل اسبوع، وفي ابيدجان التي يعاني فيها نحو 50 الف لبناني من مصير مأسوي.
ورغم ان اللبنانيين على اختلافهم يظهرون ميلاً «مبالغاً فيه» لتجنب الحديث عن مجريات الوضع في سورية وانعكاساته على «ساحاتهم»، فإن الجميع على ترقبهم لما قد يفضي اليه «وهج» الاحتجاجات في سورية على «كل شاردة وواردة» في الوطن الذي غالباً ما شكل على الدوام ساحة الاختبار الاكثر حساسية لما يجري في مداره الاقليمي.
واذا كانت ارتدادات «الحدث السوري» مرشحة للاستمرار على وقع «الأخذ والرد» بين افكار النظام وحركة الشارع، فإن المسألة التي دهمت بيروت من خارج جدول اعمالها اليومي تمثلت في مصير الجالية اللبنانية المحاصرة بـ «نيران» الحرب الاهلية في ابيدجان، و«استغاثتها» لسلطة في بيروت تحتاج لمن يغيثها بسبب الفراغ الناجم عن حكومة رحلت قبل 66 يوماً وحكومة لم تبصر النور بعد.
وفي خطوة بدت اقرب ما يكون الى «استدراك» الورطة اللبنانية في ساحل العاج، اعلن في بيروت عن ان الخارجية اللبنانية شكلت «خلية ازمة» لمتابعة اوضاع الجالية في ابيدجان، وسط انتقادات لوزير الخارجية علي الشامي الذي كان تسبب بإقحام اللبنانيين هناك في الصراع الداخلي عندما اوعز الى السفير اللبناني في ابيدجان المشاركة في حفل تنصيب الرئيس لوران غباغبو، على عكس موقف المجتمع الدولي.
ولفت امس ان الوزير الشامي «ادار محركاته»، فأجرى اتصالات شملت «نظيريه» الفرنسي والاردني، اضافة الى آخرين من اجل توفير الحماية للجالية اللبنانية في ابيدجان، معلناً عن «خلية ازمة» لمتابعة الاوضاع هناك ساعة بساعة، وسط صعوبات في تأمين عملية اجلاء للرعايا اللبنانيين بسبب حدة الموقف العسكري وسوء الاوضاع حول مطار ابيدجان، وهو الامر عينه الذي اضطر شركة الطيران الوطنية «الميدل ايست» لعدم الاقلاع الى هناك امس.
ورغم الاهتمام بهذه القضية «الطارئة» فإن الانظار اللبنانية استمرت شاخصة على الداخل السوري استناداً الى المعادلة الشهيرة «استقرار لبنان من استقرار سورية»، خصوصاً وان عمليات «الرصد والمتابعة» تحاول تقصي ارتباط ازمة تشكيل الحكومة في بيروت بمجريات تطور الوضع في سورية، التي غالباً ما كانت لها «كلمة السر» في ولادة الحكومات في لبنان.
ولم يكن مفاجئاً، على سبيل المثال، الاعلان عن ان طه ميقاتي، شقيق الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي زار الرئيس السوري بشار الاسد اول من امس، اي في اليوم الذي اصدر الاسد المشغول بأوضاعه الداخلية ثلاثة قرارات في شأن تشكيل لجان تستكمل ما اعلنه في خطابه يوم الاربعاء الماضي، اي ان الطبق الحكومي اللبناني ما زال على طاولة الاسد رغم الاوضاع الحرجة التي تواجهه عشية «جمعة الشهداء».
هذه المفارقة تعني ان سورية المطمئنة الى حلفائها في بيروت لن تدير ظهرها لملف تشكيل الحكومة رغم الايحاءات المتكررة انها تركت لـ «الاكثرية الجديدة» تقليع شوكها بيدها، وهي قد تلجأ، وبحسب دوائر مراقبة، الى التدخل في اللحظة التي ترى انه لم يعد من الملائم ترك الامور على غاربها، من دون ان تحسم في اي اتجاه يمكن ان يكون هذا التدخل.
ويسود انطباع في بيروت ان الدوائر السياسية الداخلية التي استمعت ملياً الى خطاب الاسد يوم الاربعاء الماضي، كانت مهتمة وبالمقدار عينه بتتبع الانباء عن «جمعة الشهداء» امس لمعرفة السلوك الجديد للنظام في دمشق، نتيجة الاعتقاد بأنه اذا قرر المواجهة فإن حكومة «من هذا النوع» قد تولد في بيروت، واذا قرر الانخراط في اجراءات اكثر انفتاحاً، فإن حكومة «مريحة» قد ترى النور في لبنان.
وكان اليوم 67 على تكليف ميقاتي تشكيل الحكومة أقفل على معطيات عكست استمرار منطق «الشيء وعكسه» اي التناقض الكلي بين الاشارات الى آفاق مقفلة على امكان ولادة قريبة للحكومة وبين الكلام عن احتمالات تحقيق اختراقات غير بعيدة توقف استنزاف رصيد الأكثرية الجديدة وتحدّ من الأكلاف على صورة الرئيس المكلف. وأبرز هذه المعطيات:
• تلويح بعض أطراف الاكثرية الجديدة بإمكان اعتذار الرئيس ميقاتي او «سحب الثقة» السياسية منه، في إطار رفع وتيرة الضغط عليه للسير بمطالب العماد ميشال عون المتعلقة بالحصة المسيحية وبحقيبة الداخلية وبتمثيل المعارضة السنية بفيصل عمر كرامي وتمثيل أحزاب قريبة من سورية كالبعث و«القومي».
وفي هذا الإطار، برز كلام لممثل العماد ميشال عون في المفاوضات مع الرئيس المكلف، الوزير جبران باسيل الذي اعلن «اننا لم نصل بعد الى الندم» على اختيار ميقاتي، «لكن الاكيد ان الاستمرار في هذا الوضع المزعج والخطر سيفرض حكماً السؤال علينا وإعادة النظر في هذا الموضوع». واذ اكد «ان هناك اموراً كثيرة جداً لم تحسم بعد وغير معروفة وتتبدل يومياً ولم يحسم أي شيء بعد ()»، كرر «اننا نريد وزارة الداخلية لفريقنا بالمعنى الواسع، وهذا لا يعني ان لا رأي لنا في الوزارات الاخرى»، كاشفاً ان الرئيس ميقاتي «استعظم مطلبنا الحصول على 12 وزيراً وهناك عدم موافقة» عليه، ومحملاً «من يعيش في الانتظار» مسؤولية تأخير الحكومة.
• اللقاء الذي عقده رئيس الجمهورية ميشال سليمان مساء اول من امس مع ميقاتي وجرى خلاله تأكيد «التزام المقتضيات الدستورية التي ترعى العملية الحكومية». علماً ان الرئيس المكلف عاد وتلقى اتصالا مطولا من رئيس البرلمان نبيه بري الذي اوضح انه تقدم باقتراح لحل العقد المستعصية أمام تشكيل الحكومة، رافضاً الخوض في تفاصيله، جازماً أن التشكيلة الميقاتية تسير إلى بر الأمان وهي ستصل حكماً، مضيفاً: «سيري فعين الله ترعاك».
وعُلم ان تحرك بري الذي جاء بعد ساعات على زيارة رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط للرئيس سليمان جاء في إطار رغبة من رئيس البرلمان وجنبلاط في محاولة تأمين مخارج للأزمة الحكومية على قاعدة تلافي «كأس» اعلان ميقاتي حكومة «الأمر الواقع» التي ترفضها مسبقاً الاكثرية الجديدة، علماً ان بعض التقارير لوّح بخيار اعلان مسودة تشكيلة وزارية لا تحمل توقيع رئيس الجمهورية باعتبار ان من شأن ذلك تحريك الملف الحكومي والتفاوض حوله انطلاقاً من قاعدة ما عوض الدوران في حلقة عبثية.
وفي موازاة المحاولات الداخلية لوضع الملف الحكومي على سكة الحل، بقيت دمشق «على الخط» رغم انهماكها بوضعها الداخلي، اذ عُلم ان الرئيس ميقاتي أوفد اول من أمس شقيقه طه ميقاتي وابن شقيقه عزمي إلى دمشق حيث عقدا لقاء مع الرئيس بشار الأسد تم خلاله التشديد على أهمية تشكيل حكومة لبنانية تلبي تطلعات الشعب اللبناني وموجبات الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي.

