نظام المصالح الوطنية العراقية والقلق الإيراني

الخطاب السياسي الذي ينمو في العراق اليوم، يقوم على أساس المصلحة، وهي التي تجعل من العمل على فتح صفحة جديدة مع المحيط العربي لاسيما مع السعودية، مطلبا واضحا وملحا.

لم تزل أزمة عدم اكتمال الحكومة العراقية تفرض نفسها على المشهد السياسي العراقي بأبعاده المحلية والخارجية، فرئيس الحكومة عادل عبدالمهدي لم تزل أمامه عقدة وزارة الداخلية كما الدفاع كعقدتين لا تزالان ترمزان إلى حجم التأثير الخارجي على المعادلة الداخلية وتوازناتها.

في لقاء بعيد عن الأضواء بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وقائد فيلق القدس قاسم سليماني، في بيروت، جرى اتفاق بين الطرفين على إيجاد تسوية بشأن تعيين وزير للداخلية يوافق عليه التيار الصدري بعد استبعاد فالح الفياض المرشح الأقرب لإيران بين الأسماء المتداولة لتولي المنصب.

في المقابل يعمل التيار الصدري على دعم مشروع إقرار قانون يدعو إلى خروج القوات الأجنبية من العراق.

هذا الاتفاق الذي تم تداوله في أوساط عراقية رسمية وحزبية، لم يحظ بكثير من الثقة بإمكان تحققه، والسبب أن الطرفين، سليماني والصدر، يدركان أن خروج القوات الأميركية من العراق غير وارد ليس في الحسابات الأميركية فحسب، بل حتى في الحسابات العراقية والإيرانية، فالصدر الذي يريد أن يحافظ على عنوان أنه ينتمي إلى تيار يدعو إلى خروج القوات الأجنبية من العراق، يدرك كما أقرانه من الأحزاب السياسية، أن الوجود الأميركي لا يزال يشكّل عنصر استقرار في مواجهة مخاطر خارجية وإرهابية تهدد العراق، فيما تعتبر قيادات إيرانية معنية بالشأن العراقي، أن الوجود الأميركي في العراق لا يشكّل مصدر خطر على إيران، بل يوفّر أدوات ضغط إيرانية على واشنطن قد لا تكون متوفرة فيما لو قرّرت واشنطن الانسحاب من بلاد الرافدين.

في هذا السياق أكد الرئيس العراقي برهم صالح خلال افتتاحه مؤتمر الرافدين في بغداد الاثنين أن الوجود الأميركي في العراق تحكمه الاتفاقيات القائمة بين حكومتي البلدين، وأن العراق لا يمكن أن يوافق على ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استخدام الوجود الأميركي في العراق لتفعيل تنفيذ العقوبات ومراقبتها. واعتبر الرئيس العراقي أن التعاون الإقليمي هو السبيل الوحيد لخروج العراق من الأزمات والحروب المستمرة على أرضه منذ عام 2003.

في لقاء مع زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم اعتبر أن مسألة الوجود الأميركي في العراق، لم تزل حاجة لاستقرار العراق، ولفت في لقائنا معه إلى أن بعض القيادات الإيرانية تريد من العراقيين فقط إعلاء الصوت وليسوا جادّين في هذا الشأن، بل هي للاستخدام السياسي في التنازع القائم بين طهران وواشنطن.

التطوّرات السياسية والأمنية، رغم العقدة الحكومية والأزمات التي يواجهها العراق، تشير إلى تطور مهمّ في المشهد السياسي العراقي، عبّرت عنه الانتخابات النيابية التي أظهرت في نتائجها نزوعا شعبيا وسياسيا للخروج من الخطاب المذهبي والطائفي، ولعل طبيعة الكتل السياسية التي أنتجتها التحالفات الانتخابية، تظهر كيف بات من الصعب الحديث عن تحالفات ذات طابع مذهبي أو طائفي، ولم يعُد الحديث ممكنا عن كتلة شيعية صافية ولا سنيّة ولا حتى كردية. وهذا ما اعتبره عمار الحكيم عنصرا مهما في محاولة إخراج العراق من الدرك السياسي الذي وصل إليه.

إقرأ أيضاً: هذه بغداد: هنا لا صور لخامنئي ولا للخميني

الوطنية العراقية تفرض نفسها، فبعد مخاض مواجهة الإرهاب وتداعياته، يمكن لزائر بغداد أن يلحظ نزوعا لدى الشارع إلى نبذ اللغة المذهبية والطائفية، وهو ما تلمسه القوى السياسية التي استنفدت خطاب العصبية الذي بات لا ينتج إلا مزيدا من التشظّي والفساد، وبات المواطن العراقي أمام واقع يدرك أن هذا الخطاب لن ينتج إلا المزيد من الكوارث والارتهان للخارج. ثمّة وطنية عراقية تؤشر إلى نهوض ومحاولة لتلمس خيار جديد يعيد حماية نظام المصالح الوطني والثروة الوطنية السائبة.

يقول أكثر من مسؤول عراقي ومن بينهم عمار الحكيم، إن الحشد الشعبي يجب أن يعاد النظر فيه لصالح تعزيز مركزية الأمن ومرجعية السلطة في الدولة العراقية، ويشير هؤلاء إلى أن أكثر من سبعين في المئة من ميزانية الحشد الشعبي تذهب بشكل غير مشروع لتمويل الميليشيات التي تديرها إيران في سوريا، ويذهب جزء آخر إلى اليمن ولبنان، يؤكد الحكيم أن هناك أكثر من مئة ألف راتب وهمي “فضائي” تذهب لدعم ما يسمّى المجهود الحربي خارج العراق. الرواتب هذه تؤخذ من الخزينة وليس هناك ما يثبت أنها تصرف لعناصر عراقية.

هذه الفضيحة هي نموذج لما يعانيه العراقيون اليوم على صعيد إدارة الدولة ومصادر الثروة فيها، وهو ربما ما يجعل الكثير من العراقيين ينظرون إلى السياسة الإيرانية باعتبارها سياسة تذهب نحو استغلال الثروة العراقية لصالح مشاريع تتصل بنفوذها، بخلاف ما يمكن أن يبدو من أن إيران قدّمت مساعدات أو موّلت نفوذها في اليمن ولبنان وسوريا، العراقيون يعتقدون أن بلدهم يُنهب من داخله ومن خارجه، وهو ما يبدو أنه المعطى الموضوعي الذي يجعل من العراقيين أكثر قُربا اليوم من الروح الوطنية التي تقوم على حماية نظام المصالح الذي يشكّل أحد أبرز قواعد الخطاب الذي ينبع من الشارع، ويتجه صعودا ليطغى على الخطاب السياسي لدى النخبة السياسية الحاكمة.

الخطاب السياسي الذي ينمو في العراق اليوم، يقوم على أساس المصلحة، وهي التي تجعل من العمل على فتح صفحة جديدة مع المحيط العربي لاسيما مع السعودية، مطلبا واضحا وملحّا، ويشير رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي إلى أن ثمّة رغبة عراقية عامة ولدى الفئات الشعبية على وجه العموم، بتحسين العلاقة مع المحيط العربي وتنشيطها، وذكر أنه أسس في زيارته إلى الرياض أثناء توليه الرئاسة لهذا الاتجاه، وأن الأرضية ملائمة لتعزيز العلاقات وتطويرها مع الرياض. وفي هذا السياق أيضا أشار أكثر من عراقي إلى كيفية تفاعل جماهير البصرة مع المنتخب السعودي، وهو ما مثّل مؤشرا إلى العطش العراقي إلى علاقات جيدة مع الرياض.

إقرأ أيضاً: الموصل بعد دجلة

العراقيون لا يريدون إلا علاقات أخوية مع إيران، وهذا ما قاله الحكيم والعبادي حين سألنا عن مستقبل هذه العلاقة، لكن المشكلة كما يمكن أن ننقله بثقة وبدقة، هي أن الساسة الإيرانيين في علاقتهم مع العراق، لا يرغبون بعلاقات ندية، بل علاقات تبعية.

يمكن ملاحظة أن إيران التي تعمل على تعزيز نفوذها بالعراق، تذهب في اتجاه السيطرة والتحكم أمنيا، وبمحاولة ابتداع قوى ليس لها جذور بحيث تكتسب شرعيتها وقوتها من علاقتها بإيران وحدها، فيما المؤسسات العريقة والعائلات العراقية والقوى السابقة للثورة الإيرانية وامتداداتها، تتعرض لحرب ناعمة ومحاولة حصار واختراق.

الحوزة في النجف التي طالما كانت مستقلة عن أي سلطة ولو كانت شيعية، تبدو اليوم عرضة لمزيد من التدخل والاختراق، فالقيادة في طهران تدرك أن قوة النجف باتت أقوى من أن يمنع تأثيرها على حوزة قم التي أصبحت تحت ظلالها وليس تحت ظلال طهران. وهذا ما يقلق مشروع ولاية الفقيه.

آخر تحديث: 5 فبراير، 2019 12:50 م

مقالات تهمك >>