سوريا «الواحدة».. من السلطنة الى الانتداب

امتحنت منعطفات التاريخ العثماني والإقليمي الأوسع، مطلع القرن العشرين، علاقات الجماعات “السورية” بعضها ببعضها الآخر وجلت على وجوه متفاوتة نزعات هذه الجماعات وميولها ومصالحها (عطفاً على مقال الكاتب في “المدن”، 20/12/2018). وحين اضطر السلطان عبد الحميد الثاني، في 23 -24 تموز في 1908، إلى إعلان استئناف العمل بدستور 1876 المعلّق والمعطل، واستجاب طلب الجيش الثالث المرابط بمقدونيا، تباينت ردود الجماعات السورية على نحو تباين هذه الجماعات. فاستقبلت دمشق، بشبابها وأعيانها وأسرها الناشئة الجديدة عودة الروح إلى الحياة البرلمانية بالترحيب، وتوقعت أن يعود عليها الدستور بحصة من السلطة المتقاسمة الموعودة. واستتبع تجديد العمل بالدستور أسئلة عن مصير التشريع المجلسي وموافقته الشريعة الإسلامية أو مخالفته بعض أحكام فقهها، وأخرى تقوية الدستور السلطة المركزية أو إضعافها، وعن استقرار السلطنة… وساد القلق بعض أوساط حلب المسيحية، على الخصوص، الوثيقة الصلة بسياسة الدولة المركزية، الملية والتجارية و”القومية” (نسبة إلى القوميات)، وتظاهر أهل اللاذقية واختلفوا بين مؤيدين ومنددين.

الجيل الجديد/ الخليفة

ولما تبع احتلال النمسا – المجر البوسنة والهرسك (المسلمة) إعلان الدستور، دعي الرعايا العرب إلى مقاطعة النمسا- المجر، وهجم متظاهرون بدمشق على السفارة، تضامناً مع السلطنة، وارثة الخلافة، وقلقاً على انحسار دالة الدين عن داره. وعلى خلاف الغليان الذي سرى في سبحة المدن، بين حلب ودمشق، ساد التحفظ والترقب بلاد دير الزور. وخشي الديريون اضطراب الأمن، وتمرد العرب وخروجهم على الحامية العسكرية التي تتعهد استقرار البلاد الطرفية ونواتها المدينية. وفي الأثناء، دشن خط سكة الحديد بين دمشق والمدينة المنورة في الحجاز، فقوّى خط الحج “الحوض الإنساني/الاجتماعي والاقتصادي”، وربطَ شبكات التجارة والقرابة القائمة بين جنوب البلاد وبين الحجاز.

اقرأ أيضاً: السياسة الأميركية الملتبسة في سوريا

وارتسمت مع الجيل المولود في 1870-1880 ملامح “عالم” جديد. فعدد أفراد هذا الجيل يفوق عدد أفراد الجيل السابق، ويتفوق تعليمه على تعليم الآباء والأجداد كماً ونوعاً. وهو خاض في مناقشات ومشاغل لا علم للأهل بها. فتحزب وانتخب وتعامل مع الهيئات والمؤسسات والإدارات على نحو لم يعهده السلف القريب. وأقرت الانتخابات الأسر الكبيرة، آل المؤيد والعجلاني واليوسف والزهراوي، على مكانتها الموروثة من زواج المال والوظيفة الإدارية والدالة والنفوذ الدينيين والعصبيين. وعادت حرية الصحافة والرأي والتجمع على انصار “التحديث” (القومي) والإصلاح بالقوة والعلانية على نحو ما عادت بهما على الخصوم، أنصار الخليفة- السلطان. فنافست جماعة الإخاء الدمشقية، والجماعة الارتجاعية (على الملأ ورؤوس الأشهاد!)، في اللاذقية وحلب، جمعية الاتحاد والترقي، في 1909. ودعت إلى تحصين مكانة الخليفة العثماني وسلطاته “الهمايونية” والشرعية الاسلامية. وفي 31 آذار 1909، ثار أنصار الخليفة المسلحون في دمشق، وحاولوا الاستيلاء على مركز الولاية بالقوة. واحتذت على مثالهم جماعات كثيرة في أنحاء السلطنة. فقمع النظام الجديد حركات التمرد، وأقصى الضباط الاتحاديون عبدالحميد الثاني عن كرسيه. فلم تتوارَ جمعيات “الإسلام- السياسي”- على تسمية متأخرة لحركات تخص الإسلام والمسلمين بامتيازات سياسية جوهرية-، بل عمدت إلى توحيد صفوفها في جمعية جديدة، إتحاد محمد. ووزعت في المدن صحف يصدرها “شوام” (لبنانيون وسوريون) في مصر. وأيقظت حال الترقب التي خيمت على الإدارات المحلية، في الوقت الانتقالي، النزوات البدوية. فنُهب البريد بين حلب واسكندرون، وقُطعت الطرق في أنحاء متفرقة من البلاد، وغلت الأسعار، وتقلبت التحالفات، وعمت الفوضى فيما حُظر على القوات العسكرية قمع أعمال الشغب، وقُيّد انتدابها إلى القمع بقيود قانونية قاسية. وزاد البلة التشدد في جباية الضرائب والرسوم خوف وقوع الخزينة في العجز عن سداد النفقات الداخلية والخارجية، وتنظيم الإدارة على معايير تقتضي صرف عدد من الموظفين، وتعميم اللغة التركية على الولايات العربية للحؤول دون استقلالها بلغتها وموظفيها، وتكاثر الأندية وتنافسها على استمالة المتحزبين لدعواتها.

مركز وأطراف

وثار دروز حوران، في 1909، كذلك، ثورتين: واحدة فلاحية على جباية الضرائب الثقيلة وأسفرت عن مقتل 30 مزارعاً فلاحاً، وثانية أهلية على التجنيد والاستغناء عن وسطائه المحليين. ورفع المتمردون بيرق “الطائفة”، وتقدم آل الأطرش الصفوف، وقاد ذوقان الأطرش حرب غوار أو طياحة على الوالي، الفاروقي. فجند هذا 35 ألف جندي، وأعمل مدفعية الميدان. ودامت الانتفاضة الى 1911، ولم تخمد إلا بخديعة سلطانية: دُعي قادة الانتفاضة إلى دمشق، وإلى المفاوضة على شروط الصلح، فأسروا وقُتل ذوقان. وخلفت الحادثة تقليداً سياسياً راسخاً هو نزاع المركز والأطراف في “الدولة” السورية. ولكن العلاقات الدولية والإقليمية، وحوادثها البارزة في ذلك الوقت احتلال إيطاليا ليبيا والحرب البلقانية الأولى، حملت الجماعة الدرزية على تجديد ولائها لحكومة استانبول “الاسلامية”، وقتال “الغرب المسيحي”، بينما نزعت جماعات أخرى قريبة إلى الدفاع عن كيان عربي مرتجى، أو عن كيان مسيحي في ثنايا الخطط المتنافسة.

ونشأ حزب الحرية والائتلاف (1911) في مقابلة الاتحاد والترقي. وشهد الحزب الجديد، اللامركزي، التفافاً انتخابياً واسعاً دعا الحزب الحاكم إلى حل المجلس النيابي. ونُظمت الانتخابات الجديدة على أساس دوائر غلّبت خريطتها ومعايير احتساب أصوات الثلاثة نواب الأرياف، وأضعفت أنصار الائتلاف. وانقلب الثلاثي العسكري، الباشوات أنور وجمال وطلعت، على “مجلسهم”، مطلع 1913. وخلفت التجربة البرلمانية، على حداثتها، وقربها، أثراً في تكوين النخب. فسعى النواب المنتخبون في إرساء قبضتهم على مرفقين وظيفيين حيويين: القضاء والأوقاف. واستعادت العربية مكانتها الأولى في محاكم الولايات في 1913، وانعقد المؤتمر العربي الأول في باريس رجعَ صدى ربما لحوادث كثيرة آخرها تعريب لغة القضاء. وسرت الدعوة العربية في صفوف نخب الولايات التي أقصيت عن المناصب الإدارية، وفي أوساط ثقافية نشأت في مهاجر متفرقة، بين نيويورك والقاهرة. وتبادلت النخب “الوطنية” (المحلية) والقوى الأجنبية توسل الواحدة بالآخرى، وإعمالها في خططها وخدمة مصالحها. استضافةُ باريس المؤتمر العربي ليست دليلاً على تبني فرنسا “المشرقية” دعوى المؤتمر القومية، وهذه الدعوى تخالف الاتفاقات الأوروبية في شأن مناطق النفوذ غداة أزمة مراكش، ولكنها مَعلمٌ على طريق إلتماس هوية متشابهة.

عثرات الإحياء والتوفيق

وحرك اندلاع الحرب الكبرى الاضطرابات المحلية، القومية الكردية في الشمال والأهلية الدرزية في الجنوب. إلا أن قرناً كاملاً من التوطن المختلط أضعف عصبيات الجماعات في بلاد ربطت بين أجزائها مواصلات متعاظمة الكثافة، وأطر إدارية متماسكة، وثقافة نخب مالت لغتها وأفكارها إلى التجانس، لم يعدم (القرن) أثره في بلورة نازع الى وحدة هذه البلاد وتكاملها. وامتحنت الحرب، وقيادة جمال باشا الجبهة العثمانية الغربية على رأس الجيش الرابع، مزيجَ الروابط والمصالح المتضاربة، التي شدت أهالي البلاد السورية إلى السلطنة والدولة المحاربة، وإلى الجماعات “البلدية” المتفرقة، وتكتلات الدول الكبيرة. فدعا نازع قوي الى التطوع دفاعاً عن دار الإسلام ونصرةً لـ”دولته”. وحملت الخسائر والسخرة والإعدامات والتجنيد والمصادرات والمجاعات، على العصيان والثورة والهرب، وعلى الجهر بإرادة الإنفصال. ورددت الجمعيات السرية صدى هذه الإرادة. وكان بعضها باشر، عشية اندلاع الحرب، حواراً مع السلطات المركزية العثمانية دار على تجديد الرابطة السلطانية وإحيائها على أسس إصلاحية (على رأسها اللامركزية). وأرجأت الحرب بلوغ هذا الحوار غايته الإجرائية. وفي الأثناء خلف أبناءُ الموظفين العرب المقيمين باستانبول، وهم كانوا قطب الحوار، آباءهم، وعانوا نتائج الحرب وإلتمسوا معالجتها من طريق الجمعيات السرية والنوادي الثقافية والأدبية “الاستقلاليتين”.

وشق الفتح البريطاني طريقه من مصر إلى فلسطين فسوريا فلبنان، وفي ركابه “الحركة” العربية الفيصلية. واستقبل الأهالي حلول السلطات الجديدة، المزدوجة ظاهراً، محل القديمة مرحبين. ويتساءل المؤرخ راي: هل الترحيب قرينة على الابتهاج الشعبي باستعادة هوية واستقلال وطنيين أو قوميين، أم هو رضوخ لنظام خلف نظاماً؟ ويذهب الكاتب المؤرخ إلى أن آل بكري الدمشقيين أدبوا (علموا) فيصل، العثماني الأدب والنشأة، بآداب العروبة. وأيقظ الانتقال من دولة الى دولة الصولةَ القبلية في الشرق ووداي الفرات. وفشا التهريب وكان مطية ثراء بعض النافذين. وشخص أهل حلب الى المسرح الكيليكي القريب، وأقاموا على رابطتهم “التركية”، وراقبوا عثرات القوات الفرنسية هناك، لم يبال أهل دمشق بالأمر، وأثار مجيء فيصل “البدوي” حفيظة بعض كبرائهم، ولم يفت أهل ديرالزور مسير القوات البريطانية الى العراق الثائر.

توسطُ المدن الكبيرة (حلب، دمشق، ديرالزور) دوائر وبلاداً بعضها على حدة من بعضها الآخر لم يحل دون انخراط أهل الأرياف في الهموم السياسية العامة. وأبرز انتخابُ مجلس تمثيلي من 85 نائباً يحتسب تقسيم البلاد الى 3 مناطق احتلال، ويوازن بين جناح فيصلي وآخر “وطني”، ويراعي الهوة بين هيئات الإدارة وبين نفوذ القبضايات، (أبرز) عسرَ التوفيق بين النزاعات المختلفة هذه والقيود المحلية على أبنية “الدولة”. واستعمل مصطفى كمال (أتاتورك لاحقاً)، في حربه على الفرنسيين المحتلين، عصابات محلية- الشيخ صالح العلي (العلوي) أدهم خنجر (العاملي “المتوالي”)…- سنداً غير نظامي على العدو. وختمت معركة ميسلون المرحلة الانتقالية “الثورية” من السلطنة الى الانتداب. وبينما أرست الوقائع الجغرافية والسياسية الدولية والمحلية بنياناً دستورياً وإدارياً، وطنياً، دعا “الحلم البرلماني”، على ما يكتب المؤرخ مُلغزاً بعض الشيء، شطراً من النخب إلى نصب “الهوية العربية” في صيغتها الهاشمية علماً على تعريف الشعب (الجزئي) والأمة (التامة).

آخر تحديث: 10 يناير، 2019 2:26 م

مقالات تهمك >>