رغيد الططري: قصة معتقل بالسجون الأسدية منذ 37 عاماً بعد محاكمة استمرت لدقيقة واحدة.

الطرطري بابتسامة الأطفال قال: تواليت... قصدي سنين حكمك .. بيساوي عدد السنين لي .. و التي قضيتون أنا بتواليت السجن..

الططري: كم سنة حكموك؟

مستجمعاً همومه: خمس سنين

محادثةٌ لم تُمحَ يوماً من ذاكرة المعتقل (د.س)، على الرغم من مرور خمسة أعوام عليها، إلا أنها أول حديث دار بينه وبين المعتقل رغيد أحمد الططري، الذي سمع عنه كثيراً، فسيط الططري بأنه أقدم معتقل في سجن صيدنايا كان يسبقه بين المعتقلين جدد.. أما ما لم يخطر ببال (د.س) هو أن يكون الططري مازال قادراً على الضحك والمزاح بعد بقائه اثنين وثلاثون سنةً مغيباً في سجون النظام.

اقرأ أيضاً: الفرع 215.. محرقة المعتقلين السوريين

وبعد فترة عَلم (د.س) بقصة الططري، التي بدأت عام 1981، كان عمر رغيد الططري حينها 27 عاماً، وعندها كان طيار حربي ، إلا أن هروب زميلٍ له بطائرته إلى الأردن، كان سبباً في إعتقال الططري هو و جميع أفراد السرب من قبل المخابرات الجوية..وبعد التحقيق معهم أُلصق بالططري تهمة التستر على زميله، وأُرسل إلى سجن المزة حيث بقي لمدة عامين في الإنفرادي، حُول بعدها إلى سجن تدمر حتى عام 2000، حيث نُقل بعدها إلى سجن صيدنايا وبقي فيه حتى 2011 ثم تم نقل المساجين إلى سجن عدرا – حيث يوجد اليوم- بحجة إلغاء قانون الطوارئ.

يقول(د.س) واصفاً الططري: الجميع يحب رغيد، فهو على وفاق مع كل المعتقلين، حتى السلفيين والتكفيريين كانوا يحترمونه..ويضيف: كنا نحن الشباب نتعلم من عزيمته وصلابته، فعلى الرغم من مرور 32 سنة على اعتقاله، لم يقدم الططري ولا ورقة طلب واحدة لإدارة السجن، لأن الورقة التي يقدمها المسجون يُكتب على رأسها (سيدي العقيد رئيس السجن..) ورغيد يرفض مناداة أحد بلقب (سيدي)، فبينما قد يحتاج أي معتقل لطلب زيارة أو لطبيب، أو أي شيء آخر كان رغيد يتكيف مع الموجود رفضاً للذل..

لبقايا الطعام قصة مع الططري:

(لايسلبك السجن سنين حياتك فقط.. بل أدوات ومستلزمات الحياة كذلك) هكذا يُعرف (د.س)، المعتقل السياسي.. ويتابع: لكن هذا التعريف لايشبه نظرة رغيد الططري للمعتقل، لأن سجنه حوله إلى رسام ونحات..ك ان ينحت العظام الزائدة عن الطعام، مستخدماً ليرة أو قطعة من “كستك” ساعة وجدها صدفةً في باحة السجن كأداة حادة للنحت، منحوتاته صغيرة وجميلة ونابضة بالحياة، ويشكّل ألعاباً مستخدماً خلطة مكونة من بقايا الخبز والسكر وحمض الليمون، كان يرسم ويلون مستعيناً بكل الوسائل المتاحة له..حتى أنه كان يصنع لوحات ومسابح من بزر الزيتون.

ويذكر (د.س) كيف كان الططري ينظم دورات تدريبية لتعليم المساجين لعبة الشطرنج، وذلك بعد أن صنع أحجار اللعبة من عجينة الخبز ورسم الرقعة على قطعة قماش بالية.

“تدمر ليس سجناً.. بل مكان لتحويل المعتقل إلى أقرب درجات الحيوان”

حسب (د.س)، كان رغيد الططري يخفف عن معتقلي سجن صيدنايا، بأن يحكي لهم ما مرَّ على رأسه في سجن تدمر.. مشيراً إلى أن المقارنة بين السجنين تعني أن سجن صيدنايا هو “إخلاء سبيل”.. ومن بعض مارواه الططري أن إدارة سجن تدمر كان تحظر على المساجين، رفع رؤوسهم أو مشاهدة وجوه بعضهم، مؤكداً أنَّ بعد مرور فترة على الاعتقال يتحول ذلك إلى عادة، فلا أحد يجرؤ على رؤية الآخر، وعندما انتقلوا إلى سجن صيدنايا، كان معتقلي سجن تدمر يمشون في الباحة أثناء التنفس، بجانب الحائط مطأطئي الرأس، حتى لما صار رئيس السجن يأمرهم برفع رؤوسهم لم يجرؤ أحد منهم على ذلك، والسبب كما روى الططري أن إدارة سجن تدمر أمرتهم في إحدى المرات برفع رؤوسهم وعندما نفذ البعض الأمر، أشبعوهم ضرباً، وسقط قتلى في تلك الحادثة.

ويقول الططري: لم نرفع رؤوسنا حتى نزل رئيس سجن صيدنايا، وصار يجلّس بنفسه رأس كل سجين، وعندها كانت المرة الأولى التي نرى فيها بعضنا، على الرغم من أننا كنا في نفس المهجع لسنوات طويلة، ولذلك بكينا بشدة.. يقول الططري: تدمر ليس سجناً، بل هو مكان لنزع الإنسانية، وتحويل المعتقل إلى أقرب درجات الحيوان.

يقول المعتقل (د.س) أثناء أحداث صيدنايا في 2008-7-5 والتي استمرت ثمانية أشهر، كنا نتمنى الموت.. وفي إحدى المرات قلت للططري: لم يعد سجن صيدنايا، يختلف عن سجن تدمر في شيء..فقال لي ضاحكاً: واللهِ يوماً في تدمر بألف يومٍ مما تعدون…

اقرأ أيضاً: تسليم جثة معتقل يكشف وجود لبنانيين بالسجون السورية

لم يشتكي رغيد الططري همومه لأحد، إلا أن ملامحه كانت تفضح حزنه عندما ننده له بـ (أبو وائل) نسبةً لاسم ولده، الذي لم يراه رغيد منذ اعتقاله حتى عام 2005، فهو عندما اُعتقل كانت زوجته حامل بوائل..ويؤكد (د.س) يرفض رغيد الططري اليوم زيارة ابنه في سجن عدرا، لأن إدارة السجن تُجبر المساجين على إرتداء اللباس الجزائي..وعندما حاول (د.س) إقناعه بقبول الزيارة قال له: انتظر محاكمتي حتى أعرف ذنبي وحينها سأرتدي هذا اللباس..

محكمه تلخص بكلمة (انقلع)

ويُذكر أن محاكمة رغيد الططري التي خضع لها بعد أربع سنوات من الاعتقال، استمرت دقيقة واحدة فقط، وتلخصت بجملتين من القاضي، الأولى سأله عن اسمه، والثانية قال له (انقلع).. ويقول: عندما رجعت إلى المهجع، وأخبرت زملائي بما حدث، قالوا لي: مبروك لقد حُكمت..وكانت الأحكام حينها إما إعدام أو مؤبد.

آخر تحديث: 13 نوفمبر، 2018 2:43 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>