عين الحلوة في عيون شبابه: «غيتو» والجميع صامت

كانوا عشرين شاباً وشابة، أكدوا على ضرورة اللقاء بهم بشكل جماعي. لم يتحدث الجميع، بعضهم فقط، لكن الآخرين أكدوا موافقتهم بلغة الجسد، كانوا عشرين شاباً وشابة لم يجدوا راحة للنفس منذ ولادتهم، إنهم على مسافة قصيرة من أماكن سكننا، ولكن لا نهتز، ما يطالبون به هو قليل من الحقوق الإنسانية.

شباب وشابات يعيشون في فوضى كارثية، في مخيم تفكك وعائلات تحللت. إنهم يعيشون نكبة جديدة حي تدمر ويقولون أن الأحياء الأخرى تنتظر. إن ما نكتبه هو صورة من الغيتو المرسوم في عين الحلوة، هل تستطيع أن نصفه بذلك، نعم عين الحلوة هو غيتو وجميعنا صامت. اللقاء كان جماعياً، ولم يتردد أحد من الإجابة على الأسئلة المطروحة.

بعد 5 سنوات

أين تجدون أنفسكم بعد خمس سنوات؟ سؤال ظننت أنهم سيفكرون كثيراً قبل الإجابة، لكن علاء حجير (حي الطيري) يقول: إن لم أكن قد وصلت إلى ألمانيا، فإني أجد نفسي في القبر، لا نملك مرجعية والمخيم تحول إلى ساحة صراع مفتوح، والجميع يتحمل مسؤولية، التشديد على الحواجز خير دافع لنا للهجرة. عادة أول ساعة تعليم نخسرها بسبب الحواجز.

اقرأ أيضاً: الشباب الفلسطيني: رفض لحواجز المخيمات ومعاناة من الاندماج في المجتمع

يوافقه فضل ناصر (حي الصفصاف) في الهجرة إلى ألمانيا ويقول: بسبب الذل الذي نعيشه والبهدلة على الحواجز التي تخضع لمزاجية، لا سبيل لنا سوى الهجرة بأي طريقة إلى ألمانيا أو غيرها.

لكن طارق السيد (حي المنشية) يرى نفسه في سجن رومية بعد خمس سنوات. ويوضح ذلك: كيف لا أجد نفسي في رومية، لا فرص عمل، نبقى في الشارع، نعاني من الصراع والنزاع المسلح ومن الممارسات العنصرية على الحواجز، وتسأل أين نكون؟ الجواب حتماً في رومية.

أما حنان محمود (حي حطين) فتؤكد بقاءها في المخيم، “لن أهاجر وأترك أهلي، لكن لا أعرف مستقبلي، لكن السلطة تعاملنا بدون إنسانية، أكون في سيارة أجرة نمر على الحاجز، إنهم لا يحترمون النساء وخصوصياتهن، يتفوهون بكلمات نابية وغير أخلاقية”.

ويصف طارق زعتري (لوبية) الوضع بلا استقرار “لا ثقة لي بالمستقبل”. ولا أحد يستطيع أن يتنبأ بما يمكن أن يحصل في المستقبل.

الفرص المتاحة

ينفي معظم الشباب أي فرصة متاحة أمامه لتحقيقها في المستقبل. ويقول السيد لا فرص أمامنا، يوافقه كامل حيدري (ترشيحا). ويضيف زعتري: هناك فرصة السفر بطرق غير قانونية، يعلق حجير: لقد أقفلوا طريق تركيا. يصفعنا محمد شرقاوي الصفصاف برأيه: “أمامنا فرص التوجه إلى المخدرات والذهاب إلى الإرهاب. أليس هذا ما يريدونه لنا؟

يتدخل ناصر قائلاً: المسؤولون اتصلوا بالسلطات لمنع الشباب من الهجرة غير القانونية، هل أمنو لنا فرص أخرى؟ أولاد. المسؤولين في الخارج يتعلمون ويعملون ونحن هنا ننتظر أن نموت في اشتباك هنا أو هناك.

التمييز ضدهم لبنانياً

يتفق الشباب على أن اللبنانيين في صيدا لا يمارسون أي تمييز ضد شباب المخيم أثناء وجودهم في المدينة لكن محمد حسون (رأس الأحمر) يضيف: حسب المناطق، أهالي صيدا لا يمارسون التمييز ضدنا، ولكن إذا ذهبنا إلى مناطق أخرى نشعر بالتمييز كوننا من مخيم عين الحلوة، وافقه معظم الشباب على ذلك.

لكن المفاجأة أن جميع الحاضرين أجمعوا أن الفلسطينيين المقيمين في مدينة صيدا يتعالون عليهم، ويقول أحدهم: إنهم يتهموننا بقتل بعضنا البعض ويحملوننا المسؤولية، أننا نشعر أنهم يمارسون الفوقية معنا.

الاحتياجات

وعن اولوية الاحتياجات، حدد نصف الشباب والشابات أن الأولوية هي حقهم بالعمل وبأجر متساوي مع اللبناني، وأن يتم توظيفهم حسب الكفاءة وليس الواسطة. في حين أشار معظم الآخرين بأنهم يطالبون بالأمن والأمان ومعاملتهم كبشر، فيما علق أحدهم: إذا كان الشعب اللبناني يعاني حرماناً من حقوقه، فكيف نحن اللاجئين؟

الشأن العام

لم يشارك معظم الشباب بأي نشاط في الشأن العام لغياب الدافع وبسبب اليأس والإحباط لكن نورهان شحادة وإيمان ريان شاركتا في تنظيف الحي حيث تسكنان ورفع الردم من جوانبه. كذلك يضيف محمد حسون: تطوعت مع مجموعات شبابية لتنظيف المقابر ورفع الدشم بعد الاشتباكات، أما زعتري فشارك في توزيع الإفطار في شهر رمضان على العائلات المحتاجة.

شؤون 166

وتطوعت محمود في إحدى الجمعيات المهتمة بقضايا النساء، ويصف الشباب والشابات اللجان الشعبية بصفتها أطر للمحسوبيات وأن أعضاءها موظفون عند الفصائل ويستفيدون من الموقع.

وعن ضعف المشاركة، يقول الشباب: أن التنظيمات تمنع الشباب من المشاركة في الشأن العام ويوضح أحدهم: لقد فصلت من التنظيم الذي كنت أنتمي إليه لأنني شاركت مع مجموعات شبابية مختلفة للضغط لوقف الاشتباكات. ويقول آخر: تحول المخيم إلى مربعات ما منع التواصل بين الشباب بشكل فعال ويتفق الجميع على غياب مجموعات عابرة للأحياء.

مستقبل المخيم

وعن مستقبل المخيم يقول ثمانية من الحاضرين، نرى المخيم مدمراً في المستقبل، ويضيف أحدهم: الآن دمر حي الطيري وغداً يدمر حي آخر وهكذا دواليك. أما المتفائلين فيقولون: إنه يسير نحو الأسوء ولا تجدي كل المحاولات التي تجري والتي تتصف بالأمنية فحسب، ويراه حجير وزعتري موقفاً للسيارات أو ملعب فوتبول.

التمييز

تتفق الفتيات المشاركات في اللقاء على أن هناك تمييزاً ضد الفتيات في العائلات والمجتمع المحلي. وتقول إحداهن: يظن الآخر أن الفتاة غير قادرة على الدفاع عن نفسها وهذا رأي خاطئ. وتصف الفتيات هذا التمييز بصفته جزءاً من العادات والتقاليد. وتقف الفتيات موقفاً حاسماً ضد الزواج المبكر.

لكن الفتيان يصرون على أن هناك فارق ما بين البنت والصبي وعلى البنت الالتزام بالتقاليد والعادات لأنها ضعيفة ويعلق أحدهم: كيف أسمح لشقيقتي بالخروج ليلاً، ربما تتعرض للأذى وهي ضعيفة.

ويضيف حجير: إنها عاداتنا وتقاليدنا وعلينا المحافظة عليها، ويعتقد زعتري أن لا تمييز بين الصبي والبنت في البيت ولكن التمييز خارج البيت. ويوضح محمد عزام (حطين) أن موقفنا نابع من خوفنا على البنت نفسها.

اقرأ أيضاً: 175 ألف فلسطيني في لبنان: هكذا تم الإحصاء

العلاقات المختلطة

يجمع الشباب أن لا مشكلة من إقامة علاقات أي كان نوعها من زمالة، رفقة، صداقة وصولاً إلى الزواج ما بين الفلسطينيين واللبنانيين (الشباب والشابات) لكن المشكلة الأهل الذين يرفضون مثل هذه العلاقة.

تعرض محمود تجربة رفيقتها الفلسطينية التي خطبت شاب لبناني وفسخت الخطبة بعد حين بسبب تناقض العادات والتقاليد وعدم قدرة الخطيبان على تخطي هذه المشكلة.

ويختم بعض الشباب اللقاء بالمطالبة بإقرار حق التملك وتطوير خدمات الأونروا لكنهم يجمعون على أهمية معاملتهم بصفتهم بشراً لهم كرامة وحقوق إنسانية.

وينهي أحدهم بقوله: وماذا عن هذا الجدار؟ إنهم يريدون أن نعيش في غيتو والجميع صامت.

(هذه المادة نشرت في مجلة “شؤون جنوبية” العدد 166 شتاء 2018)

آخر تحديث: 12 يناير، 2018 11:44 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>