السيد محمد حسن الامين في ذكرى الثورة في ايران (1): يتذكّر الامام الخميني

في ذكرى انتصار الثورة الاسلامية في ايران الذي مرّ منذ حوالي اسبوع، يتذكر العلامة والمفكر الاسلامي السيد محمد حسن الامين زمن الستينات من القرن الفائت يوم كان هو طالب علم في النجف الاشرف وعرف الامام الخميني مجتهدا ومرجعا ومدرسا فيها، كما يتذكر لقاء الامام في باريس وهو يحمل رسالة ودّ وتأييد من الثورة الفلسطينية وذلك قبل انتصار الثورة في ايران بشهور قليلة.

يقول السيد الأمين مقدما لثورة ايران الاسلامية: “في مواجهتنا للأحداث المفصلية التي تمر ونشهد حدوثها، قلما نحاول ان ننظر إلى هذه الأحداث بوصفها حلقة أو تطوّراً او ردّ فعل لسياق تاريخ سابق عليه، وخاصة إذا اتخذ هذا الحدث شكل الثورة أو النقلة السريعة من واقع إلى واقع آخر مختلف عنه، ففي مناسبة مرور 37 عاماً على قيام الثورة الإسلامية في إيران، نتذكر جميعاً بأن هذه الثورة فاجأتنا، ولعلنا امام هذه المفاجأة لم نكن في الزمان الذي يسمح بقراءة موضوعية وهادئة ومتأنية لهذا الحدث بوصفه حدثاً متصلاً بتاريخ سابق، ومررو الزمن يجعلنا أكثر قدرة على تلمّس الجذور التاريخية لهذا الحدث دون أن نقلّل من شأن الرموز التي كانت ذات تأثير بالغ وذات دور مميز في حدوثه، فالثورة الإسلامية في إيران هي في وجه من وجوهها فعل استرداد ولو في دائرة محدودة نسبياً لحلم الكيان الإسلامي السياسي الواحد، والذي كان يتمثل بالكيان السياسي الأمبرطوري العثماني والذي تفكك أيضاً بعوامل تاريخية ذات علاقة في الصراع ما بين الشرق والغرب”.

إقرأ أيضاً: السيد محمد حسن الأمين: غياب «النقد الديني» يعني نهاية الدّين…

ويتابع السيد الأمين “كان لا بد من هذه المقدمة لقراءة هذا الحدث التاريخي في سياقه التاريخي المنطقي للدخول في بعض الظروف والمعطيات التي لامست قيام هذه الثورة والتي من المعروف أنها كانت في مواجهة نظام أشبه ما يكون بنظام سياسي غريب أو غربي يستمد قيمه السياسية والفكرية من مصادر تتناقض مع هوية الشعب الذي يحكمه هذا النظام، ومن المعلوم والواضح أن نظام الشاه كان يستمد مكانته وقوّته من الولاء للغرب بصورة عامة وللولايات المتحدة الأميركية بصورة خاصة، ويمارس ككل الأنظمة الشرقية منهج الاستبداد على مستوى السلطة ويهمّش كل المؤسسات والأحزاب السياسية التي لا تنسجم مع منهجه هذا، في دولة يغلب عليها بصورة واضحة انتماء هويتها إلى الإسلام. وبالتالي فإن استمرار هذا النظام كان يراكم بصورة دائمة تحديات خطيرة لهوية الشعب الإيراني، وأعني بها الهوية الغالبة التي هي الانتماء الإسلامي.لذلك كان الوجه الأبرز للثورة هو  القيادة الإسلامية، التي تتمثل بصورة أساسية بقاعدة ثقافية إسلامية واسعة يقوم على رأسها المؤسسة الدينية، أي ما يطلق عليه “حوزة قم” الدينية التاريخية، المؤهلة لأن تستقطب القوى الشعبية المؤثرة في إيران. وكان أبرز رموز هذه الحوزة في حركته التاريخية المعارضة لنظام الشاه هو الإمام الخميني رحمه الله، الذي سبق وأن تعرّض للنفي والتشريد مما زاد في تأكيد رمزيته القيادية، فاستطاع في الوقت المناسب أن يكون رمزاً للثورة وقائداً لها”.
وعن العلاقة بين الثورة الاسلامية وحركات التحرر العربي يشرح السيد الامين: “هنا أودّ أن أشير إلى ان أحد العوامل ذات الأهمية في دعم هذه الثورة، كانت تصدر عن كثير من شعوب الأمة الإسلامية، ومنها وبصورة أكثر وضوحاً، موقف المسلمين في لبنان وفلسطين وما زلت أذكر أن لبنان كان هو الساحة التي تنطلق منها تظاهرات الدعم للثورة والتعريف بها وبقيادتها، وكانت تحتضن، تلك الساحة، عدداً كبيراً من الثوار الإيرانيين الذين لم يتح لهم أن يتواجدوا في إيران، فكان نشاطهم المتعدد الجوانب ينطلق من لبنان وباحتضان من قوى وطنية لبنانية وإسلامية تتبنى هذه الثورة وتدعمها، وأذكر أننا في لقاء تاريخي ودقيق احتجنا إلى قيام تواصل شبه مباشر بين الثورة الإسلامية والثورة الفلسطينية، وكان الإمام الخميني ما زال في النجف الأشرف، وقد وقع عليّ الاختيار شخصياً للتواصل مع الإمام، وبينه وبين قائد الثورة الفلسطينية ياسر عرفات الذي كان يعلّق آمالاً كبيرة على انتصار الثورة، وقد استدعى الأمر أن أذكر رسائل متبادلة كنت ألتقي من خلالها مع الإمام الخميني في النجف الأشرف أكثر من مرتين، مما عزّز التنسيق المطلوب بين الثورتين، وكان له تأثير إيجابي كبير على توسع دائرة الاهتمام المتبادل بين الفلسطينيين والعرب من جهة تجاه الثورة الإسلامية الإيرانية والإمام الخميني بالذات”.
ويكشف السيد الامين لقاءات خاصة جمعته بالامام الخميني،فيقول “لا أكشف سرّاً إذا قلت هنا أني في أحد زياراتي للنجف لمقابلة الإمام حملت منه رسالة شفهية تتضمن إبداء رغبة مبدأية من الإمام الخميني في الانتقال من العراق بعد أن تفاقم عليه الضغط من قبل السلطة العراقية إلى لبنان وإلى منطقة البقاع بصورة خاصة، وأذكر أن ياسر عرفات استجاب بل تحمّس كثيراً لهذه الفكرة، وحتى لا نطيل شرح التفاصيل فإن هذه الفكرة لم تتحقق لسبب أن الرئيس حافظ الأسد الذي التقاه عرفات ليقنعه برغبة الإمام الخميني ولكنه فشل في إقناعه ولم يوافق، الأمر الذي وجه ركب الإمام الخميني إلى باريس كما هو معروف.وخلال إقامته غير الطويلة في باريس كان لي مع بعض الأخوة العلماء زيارة في الضاحية الباريسية “نوفل لي شاتو” حيث التقينا به مطوّلاً، وطلبنا منه أن يحملنا توصياته واقتراحاته على ما يجب القيام به في لبنان وعلى ما يجب أن تقوم به الثورة الفلسطينية.
وبعد رجوع الإمام الخميني وانتصار الثورة الإسلامية في إيران، كانت لنا زيارة مع عدد من العلماء الناشطين في مساندة الثورة الإسلامية، حيث جرى استقبالنا من قبل الإمام استقبالاً مميزاً، وكان في الوفد كما أذكر أحد كبار علماء الدين يومذاك وهو المرحوم المقدس السيد علي مهدي إبراهيم. وكان لقاء خصباً انفتح فيه صدر الإمام لنا وشكرنا على الجهود التي قمنا بها، ووضعنا في أجواء التآمر التي تواجه هذا الإنجاز الكبير، ولكن في الوقت نفسه أكد على ثقته بالله وبالشعب المسلم في إيران لأنه سيتجاوز كل محاولات التآمر والتخريب التي يقوم بها أعداء الثورة في الداخل والخارج وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، التي كان ينعتها بالشيطان الأكبر”.

إقرأ أيضاً: السيّد الأمين عن «سياسة التحالفات»(2): الصراع السعودي الإيراني يؤجج الطائفيّة
أما سبب نعت الخميني لأميركا بالشيطان الأكبر، فبرأي السيد الأمين: “فهو قائم رؤية الإمام الخميني قبل الثورة وأثناءها وبعدها، ولعلّ السبب الأبرز، هو في اعتبار إسرائيل صنيعة أميركا من جهة، مضافاً إلى ان كل ما اقترفه نظام الشاه في إيران على مدى عقود من الزمن كان يدعم واحتضان من السياسة الأميركية، وكان يملك الإمام رؤية استراتيجية بأن هدف أميركا دائماً هو السيطرة على العالم وخاصة على بلاد المسلمين وثرواتهم ومواقعهم الاستراتيجية، امتداداً لما كان يسميه بمرحلة الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين.
وهو في النجف كان يعني بإلقاء محاضرات لطلب العلم ونحن منهم حول مفهوم الدولة الإسلامية وولاية الفقيه، كجزء من حركته التي لم تتوقف تجاه هدف التغيير الجذري والثورة في إيران”.

 

آخر تحديث: 17 فبراير، 2016 6:18 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>