مكتبة عز الدين… تاريخ في ذاكرة رجل تسعيني

اختلفت معايير العصر الثقافي، بين زمن كان فيه الكتاب مصدر المعرفة والعلم، وزمن بات فيه الفايسبوك وسيلة التعارف اللاثقافية، بيد انه لايزال هناك من يحمي إرث الكتاب، ويحفظه في مكتبته، يؤرشف تاريخاً يعود لآلاف السنين، مدونا في مخطوطات خطَت يدويا تعود الى العام1880، يحمي قيمة الكتاب، الموروث الشعبي الذي منه انطلقت عشرات الثورات والانقلابات على انظمة الفساد والظلم.

في مكتبة عز الدين العامة في العباسية تجد صورة مصغرة عن جيل ماض واع للمعرفة قدر حاجته لها، فحسبما يقول السيد علي عز الدين الحاج التسعيني “قيمتك في الحياة سلة معارفك الثقافية”، والثقافة بمفهوم عز الدين، ليست شهادة جامعية، بل “ثقافة لملمتها من القراءة واكتشاف اسرار الشعوب والاطلاع على مخزون فكري، يمكنك ان تكون القدوة لاي مهمة”.

مجهود فردي
بمجهود فردي استطاع عز الدين ان ينشئ مكتبة ضخمة تضم اكثر من 15 الف كتاب، جمعها من كل حدب صوب، طرق الكثير من الابواب، جمع بعضها الذي كان مرميا في الطرقات، قصد عشرات القرى ليأتي بكتاب يريد اصحابه التخلي عنه، كان همه ان يصنع مستقبلا ثقافيا راقيا اسوة بعصره، حيث “كان المثقف يوازي الزعيم”، وصاحب “المعارف اقوى من اي رئيس لا يفقه بأمور الفكر والثقافة والادب”.
لأن بمنظوره “بسطاء الناس يملكون ثقة ان ما يقومون به ينجح” ويفتخر انه “رجل علمته ثقافة الحياة، ولم يتخرج من المدارس، بنيت ثقافتي بارادتي، بالكتب التي جمعتها، بارث الماضي الذي رماه اصحابه” ، يتذكر حين قصد بلدة جنوبية ليأتي بكتب يريد اصحابها التخلص منها، “صعقت حين وجدتها مخطوطات ثقافية وادبية تعود للعام 1880، تخلى أصحابها عنها، للأسف هناك من يهجر التاريخ وعراقة جبل عامل الثقافية لأجل تطور فارغ”.

مكتبة عز الدين العباسية

داخل المكتبة التي تشرع ابوابها على الكثير من اسئلة ملحة، من يقرأ؟، من يفكر بالتغيير؟ من يدرك قيمة ما تحويه المكتبة من اسرار عاملية؟، من موروثات شعبية تحفظها مخطوطات عز الدين العتيقة؟ ، اسئلة تبحث عن اجوبتها تارة بين تلك الكتب المرصوصة على رفوف تنتظر من يقرؤها، وطورا بين كلمات عز الدين الذي يدرك ان “زمن الكتاب ولَى، ولكن من يهجره سيندم، لان تغيير مفاهيم العصر تبدأ من ثقافة رصينة مدركة لاهداف التغير”.

في المكتبة التي قسمت حسب تواريخ الكتب وابوابها، تتعرف على شغف عز الدين بالمعارف، تسمع منه خبرياته كيف جمعها، “كنت اقصد القرى بحثا عنها، لم اقف يوما عند بعد المسافة، لأني مدرك ان الكتاب تاريخ وحضارة، نقرأ عن حضاراتنا عبر الكتب، الكتاب يحفظ ارثنا، قيمتنا، فكرنا”، ويتذكر “كنا نقيم حلقات الزجل والشعر، والحكواتي داخلها”. اليوم “من يؤرشف الواقع ويقرأ دخلنا نفقا مظلما ولكني أفتخر أنني صنعت مجدا لفكر عاملي سيخلدني”.
لعبت المكتبة دورا رياديا في نشر الثقافة في عز الإحتلال، فرضت قانونا في البحث عن التاريخ لحمايته “تاريخنا قوتنا” حسب عز الدين الذي إستطاع بمجهودٍ فردي، ان يحول مكتبته العامة الى ارث جدير بالتوقف عند محطاته، للتعرف على واقعنا اليوم، “عليك ان تقرأ التاريخ لتؤمن الحاضر والمستقبل” يقول عز الدين الذي انهكه الزمن ولم تنهكه مطالعة الكتب التي باتت رفيقه دربه، لا يزال يؤمن ان “عصر الكتاب سيزدهر عما قريب”، ولا يزال يعول على “متغيرات ما تعيد جيل اليوم للكتاب” الا انه يبني نظرية “الظلم والفقر يصنعان ثورة، والثورة دون ثقافة لا تنجح، فأغلب ثوراتنا نجحت بقوة ثقافتنا وقراءتنا للعدو” يرمي بكلماته على مخطوطة الزكاة التي يفوق عمرها الـ120 عاما تعود للشيخ كاظم عز الدين.

مخطوطات تعود للعام 1883
في قسم المخطوطات القديمة التي يتجاوز عمر كل منها مئات السنين، يتسنى لك ان تتعرف على حضارة جبل عامل، ومفكريها وعظمة كتّابها ، “جبل عامل كان منارة المعارف، هو الذي صدّر الادب والفلسفة والتراث والفقه الى كل الدول العربية ” يرمي بكلمته على سراج يضيئه لتكمل مسيرتك في عالم عز الدين. تتعرف على مخطوطات شحادة غساني التي تعود للعام 1883 المؤلفة من ستة دفاتر عتيقة، ومخطوطات الشاعر محمد حمود وهي مخطوطات “شعر نثري” تحكي طبيعة الحياة آنذاك والظروف الاقتصادية والامنية.
حسب عز الدين فان “تلك المخطوطات تعد ارشيفا مهما جدا، لانها تسرد بعضا من الحوارات الثقافية التي كانت تعقد واللقاءات الحوارية في القرى العاملية”، يحاول عز الدين ان يؤمن سكة عبور الى “زمن ثقافي يؤرشف حضارة جبل عامل، زمن لا يعير للثقافة الرصينة انتباها” وفق تأكيده، وهو الذي يحاول صوغ سياسية فكرية ـ ثقافية عبر مكتبته التي انشأها العام 1984 وتحوي مئات الكتب القيمة من المخطوطات العتيقة، الى قسم خاص بصور رجالات جبل عامل بالابيض والاسود، فتسمع عن عظمة السيد عبد الحسين شرف الدين، وتتعرف على بعض من مواقف المطران جورج حداد وصور تخبر عن قوة الحقبة التي عبر منها ادهم خنجر والسيد محسن الامين والامام المغيب السيد موسى الصدر وغيرهم.

موسوعة صحف
لا يمكن أن تتجاهل موسوعة الصحف التي جمعها من اول عدد لها، سيما جريدتي السفير والنهار وضَبها في مجلدات يسهل للقارئ ان يطَلع عليها، “سعيت لكي اصنع هوية لفكر ابحث عنه فأنا اهوى المطالعة اعشق الكتاب لانه صوتنا نحو الهدف”. ولا أيضا عشرات الكتب القيمة، الذي حفظها عن ظهر قلب، يبدو عز الدين بمكتبته موسوعة، حلقة معارف متعددة الاوجه لأن برأيه “لا شيء يستطيع منحك السعادة، سوى مكتبة وكتب، تأنسها روحك، وطالما اتنفس لن أغادر هذا العالم”.

عالم مختلف تعيشه داخل مكتبة عز الدين ، تبحث عبره عن واقعك وتقرأ مستقبلا ، لا يشبه عصرا غلبت فيه السياسة على الثقافة وكما يقول عز الدين “لا يمكن ان تكون سياسيا، بل يجب ان تكون مثقفا سياسيا لتدير وطنا” وكأنه يحاول ان يكشف صورة مجتمع “السياسة ثقافة، والذكي من يلاعبها لمصلحة وطنه، كم من سياسي لا يدرك ثقافة المجتمع، استطيع عبر مطالعتي الكتب ان اصل لنتيجة خطيرة، ان من يريد تمزيق وطن يهجر المعرفة او يشوهها” ، واكثر ما يؤرق عز الدين ان ” هناك من يبث سموما فكريا في جيلنا، الفايسبوك والواتسآب سرقا الشباب من الكتاب، وهذا هدفه واضح تدمير قوتنا الفكرية والثقافية”. يا ليت هذا الجيل يستيقظ ليعود للكتاب يرمي بكلماته على سراجه المضيء علّه يضيء واقعه.

(رنا جوني – البلد)

آخر تحديث: 8 يوليو، 2017 12:25 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>