أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع جملة من المواقف السياسية والإستراتيجية البارزة التي ترسم ملامح السياسة الخارجية والداخلية لدمشق في المرحلة المقبلة، وشملت هذه المواقف، التي جاءت في مقابلة تلفزيونية موسعة مع قناة الجزيرة، ملفات بالغة الحساسية تتصدرها الترتيبات الأمنية مع إسرائيل، ومستقبل العلاقة مع لبنان، إلى جانب الملفات الاقتصادية والقضايا الداخلية المؤجلة مثل الملف الكردي وملف المفقودين، مما يعكس توجهاً سورياً جديداً يركز على الاستقرار الإقليمي والانفتاح الدولي.
ترتيبات أمنية مع إسرائيل ومستقبل السلام
كشف الرئيس السوري عن حراك دبلوماسي وأمني تجريه دمشق على الصعيد الإقليمي والدولي، معلناً أن بلاده تعمل حالياً على التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يجري الإعداد له بمشاركة ورعاية عدد من الدول المؤثرة.
وأعرب الشرع عن أمله في أن يشكل هذا الاتفاق المرتقب مدخلاً حقيقياً يفضي إلى سلام شامل في المنطقة، مؤكداً في الوقت ذاته أن هذه الترتيبات لن تمس بأي شكل من الأشكال حق سوريا الثابت والمشروع في استعادة الجولان المحتل. وأوضح الشرع أن دمشق تتجنب في الوقت الراهن الصدام العسكري مع إسرائيل ولا ترى مصلحة إستراتيجية في الانخراط في أي مواجهة مسلحة معها، مشيراً إلى أن نجاح الترتيبات الأمنية الجارية خلف الكواليس قد يفتح الطريق مستقبلاً أمام تسوية سياسية أوسع نطاقاً.
المقاربة السورية للشأن اللبناني.. دعم الدولة وحصر السلاح
وفيما يتعلق بالعلاقات الأخوية والأوضاع الراهنة في الجار اللبناني، حسم الرئيس السوري موقف بلاده العسكري والسياسي عبر النقاط التالية:
- نفي التدخل العسكري: أكد الشرع بشكل قاطع أن دمشق لا تعتزم القيام بأي تدخل عسكري في لبنان، لافتاً إلى أن الدور السوري الحالي يتركز على التباحث والتنسيق مع الحكومة اللبنانية الشرعية لسبل المساعدة في تجاوز الأزمة الراهنة وإخراج البلاد إلى بر الأمان.
- الحل الشامل والمخاطر المتبادلة: شدد الرئيس السوري على أن معالجة الأزمة اللبنانية المعقدة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية أو العسكرية فقط، بل تتطلب حلاً سياسياً وشاملاً يعالج مختلف أبعادها البنيوية، محذراً من أن أي حالة فوضى أو عدم استقرار في لبنان ستنعكس تداعياتها بصورة مباشرة وتلقائية على الأمن القومي السوري.
- شرعية السلاح والدولة: أعلن الشرع دعم دمشق الكامل والمطلق لخطوات حصر السلاح وإعادة قرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، معبراً في الوقت ذاته عن مخاوفه من خطر اتساع رقعة الحرب في المنطقة وما قد يترتب على ذلك من تداعيات إقليمية كارثية.
ملف العقوبات الدولية وقائمة الإرهاب
تطرق الرئيس السوري إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة والشروط الدولية المفروضة لإعادة الإعمار، موضحاً أن خطة الإنقاذ الاقتصادي تصطدم بعقبات قانونية دولية معقدة.
وأشار الشرع إلى أن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلاده، رغم أهميته، لن يكون ذا جدوى كاملة أو فاعلية حقيقية في جذب الاستثمارات وإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، ما لم يُرفع اسم سوريا نهائياً من القائمة الأميركية والدولية للدول الراعية للإرهاب، معتبراً هذا الإجراء الخطوة الأساسية لتحقيق التعافي الاقتصادي.
البطء في الملف الكردي والرهان على الاتفاق
وفي الشأن الداخلي وإدارة مناطق شمال وشرق سوريا، أقر الرئيس أحمد الشرع بوجود تحديات لوجستية وسياسية تواجه مسار التسوية مع المكون الكردي.
وأشار الشرع إلى وجود «بطء واضح» في تنفيذ بنود الاتفاق المبرم سابقاً مع الأكراد، وعزا ذلك إلى تعقيدات ميدانية وفنية، إلا أنه جدد تأكيد الحكومة السورية على أنها لا تزال تراهن على إنجاح هذا الاتفاق والوصول به إلى غاياته النهائية بما يحفظ وحدة الأراضي السورية وحقوق المواطنة.
لجان دولية لمعالجة ملف المفقودين
وفي خطوة لإنهاء أحد التحديات الإنسانية المرتبطة بمخلفات الأزمة السورية، أعلن الرئيس الشرع عن إطلاق مسار رسمي ومنظم لمعالجة قضية المفقودين والمحتجزين.
وأوضح أن السلطات السورية شكلت رسمياً «لجنة خاصة» تتولى إدارة ملف المفقودين بالكامل، مؤكداً أن هذه اللجنة ستعمل وفقاً لأعلى المعايير الدولية المعتمدة، وبالتعاون والتنسيق المباشر مع دول صديقة ومنظمات تمتلك خبرات وتقنيات متخصصة في هذا المجال الإنساني لضمان الشفافية وتحقيق نتائج ملموسة وعادلة.

