خسارة لبنان التي لا تُعوَّض: حين يهاجر الشباب يهاجر المستقبل

خلاصة المقال

لا تكمن خسارة لبنان الكبرى في انهيار اقتصاده، أو تدمير عمرانه، أو استنزاف موارده المالية فحسب، بل في هجرة شبابه، ولا سيما المتعلّمين والمثقفين وأصحاب الكفاءات. فهؤلاء لا يمثلون القوة المنتجة التي يحتاج إليها البلد لإعادة بناء اقتصاده ومؤسساته فقط، بل يشكلون أيضاً الفئة الأكثر قدرة على مساءلة السلطة، وكسر الجمود الطائفي والسياسي، وصناعة بدائل إصلاحية. ومن هنا تنشأ دائرة خطرة: يدفع انسداد الأفق السياسي وغياب العدالة والفرص الشباب إلى الهجرة، ثم يؤدي رحيلهم إلى إضعاف المجتمع المدني والقوى التغييرية، ما يسمح للواقع السياسي المريض بإعادة إنتاج نفسه. وإذا كانت الخسائر المالية والعمرانية قابلة للتعويض، فإن خسارة جيل من الأطباء والمهندسين والباحثين ورواد الأعمال والمثقفين تعني أن لبنان يفقد في آن واحد طاقته على النهوض وقدرته على التغيير. لذلك، فإن وقف هذا النزيف لا يكون بخطابات عاطفية تدعو الشباب إلى البقاء أو العودة، بل ببناء دولة موثوقة تحترم الكفاءة، وتضمن العدالة، وتفتح أمام مواطنيها أفقاً حقيقياً للعمل والمشاركة وصناعة المستقبل.

يمكن إعادة بناء منزل تهدّم، وترميم جسر دُمّر، وإصلاح مؤسسة تعطّلت، كما يستطيع الاقتصاد، مهما اشتدّ انهياره، أن يستعيد بعض عافيته متى توافرت الإدارة الرشيدة والاستقرار والثقة. لكن هناك خسارة أشد خطراً وأصعب تعويضاً من خسارة الأموال والمباني والمصارف، هي خسارة الإنسان، ولا سيما الإنسان الشاب المتعلّم والمثقّف، الذي يغادر حاملاً معه علمه وطموحه وخبرته وقدرته على الإنتاج والتغيير. هذه هي الخسارة الكبرى التي يتعرّض لها لبنان اليوم. فالمغادرون ليسوا مجرد أرقام تضاف إلى لوائح المسافرين، بل أطباء ومهندسون وممرضون وأساتذة جامعيون وباحثون وتقنيون ورواد أعمال وفنانون وأصحاب اختصاص. إنهم جيل أنفقت العائلات اللبنانية والدولة والجامعات سنوات طويلة في تعليمه وإعداده، ثم جاءت بلدان أخرى لتستفيد من خبرته وإنتاجيته، بينما بقي لبنان يتحمّل كلفة تكوينه ويخسر ثمرة هذا الاستثمار. الهجرة ليست ظاهرة جديدة في التاريخ اللبناني. فقد انتشر اللبنانيون منذ عقود طويلة في مختلف أنحاء العالم، وأسهموا في دعم عائلاتهم وبلدهم، وحققوا نجاحات لافتة في التجارة والطب والهندسة والثقافة والعلوم. إلا أن الهجرة الراهنة تختلف في دوافعها وطبيعتها. فكثير من الشباب لا يغادر اليوم بحثاً عن تجربة مؤقتة أو عن دخل أفضل فحسب، بل هرباً من انسداد الأفق، وانهيار المؤسسات والخدمات، وتراجع قيمة العمل، وغياب العدالة، وانعدام القدرة على التخطيط للمستقبل. والأخطر أن الشاب الذي يغادر لا ينظر دائماً إلى سفره بوصفه مرحلة عابرة، بل باعتباره انتقالاً نهائياً إلى حياة أكثر استقراراً. وما إن يستقر في الخارج ويؤسس عائلة ويحصل على فرص مهنية وتعليمية أفضل، حتى تصبح عودته أكثر صعوبة، ويصبح لبنان في ذاكرة أبنائه وطناً للزيارة والحنين، لا وطناً للعمل والإقامة وصناعة المستقبل.

حين يهاجر الطبيب، لا يخسر لبنان شخصاً واحداً فقط، بل يخسر آلاف المرضى الذين كان يمكن أن يعالجهم، وطلاب الطب الذين كان يستطيع تدريبهم، والمستشفى الذي كان يمكن أن يطوّره. وحين يغادر الأستاذ الجامعي أو الباحث، يخسر البلد معرفة كان يمكن أن تتراكم وتنتقل إلى أجيال جديدة. وحين يهاجر رائد الأعمال، فقد تهاجر معه شركة لم تؤسّس بعد، وفرص عمل لم تُخلق، وأفكار كان يمكن أن تتحول إلى مشاريع منتجة. إنها ليست خسارة آنية، بل خسارة تراكمية تمتد آثارها إلى المستقبل. فالأموال يمكن أن تعود خلال سنوات، أما تكوين طبيب متخصص أو عالم أو مهندس مبدع فيحتاج إلى عقود من التعليم والخبرة.

الهجرة ليست ظاهرة جديدة في التاريخ اللبناني. فقد انتشر اللبنانيون منذ عقود طويلة في مختلف أنحاء العالم، وأسهموا في دعم عائلاتهم وبلدهم، وحققوا نجاحات لافتة في التجارة والطب والهندسة والثقافة والعلوم.

خسارة الكفاءات والنخبة من الشباب

والأسوأ أن هجرة الكفاءات تولّد حلقة مفرغة: كلما غادر أصحاب الخبرة تراجعت نوعية المؤسسات والخدمات، وكلما تراجعت المؤسسات والخدمات ازداد اقتناع من بقي بأن الهجرة هي الخيار الوحيد. غير أن خسارة الشباب المتعلّم والمثقّف لا تقتصر على الاقتصاد والتعليم والصحة، بل تمتد إلى الحياة السياسية والديموقراطية نفسها. فالشباب، ولا سيما أصحاب التعليم والوعي والثقافة، يشكلون عادة الفئة الأكثر استعداداً لمساءلة السلطة، ورفض الموروثات السياسية الجامدة، وكسر الاصطفافات الطائفية والمناطقية. وهم الأقدر على إنتاج أفكار جديدة، وتأسيس مبادرات مدنية، والمشاركة في النقابات والجامعات والجمعيات والحركات الاعتراضية، وفتح المجال أمام خطاب سياسي يقوم على المواطنة والكفاءة والمحاسبة. لذلك، فإن هجرة هذه الفئة لا تعني فقط فقدان أطباء ومهندسين وأساتذة، بل تعني أيضاً إضعاف القوة الاجتماعية القادرة على تغيير الواقع السياسي المريض. فكل شاب متعلم يغادر هو صوت محتمل للإصلاح يُفقد، ومبادرة قد لا تولد، ومشروع تغييري قد لا يكتمل، ومساحة إضافية تترك للقوى التقليدية كي تعيد إنتاج نفسها من دون منافسة جدية.

ثمة علاقة دائرية خطرة بين انسداد الأفق السياسي وهجرة الشباب. حين يشعر الجيل الجديد بأن الانتخابات لا تؤدي إلى تغيير فعلي، وأن الكفاءة لا تفتح أبواب الدولة، وأن النفوذ والمحسوبية والانتماء الطائفي أقوى من القانون، يتراجع إيمانه بإمكان الإصلاح من الداخل، ويصبح السفر بالنسبة إليه خياراً عقلانياً لا مجرد رغبة شخصية.  ثم تؤدي مغادرة الفئات الأكثر تعليماً واندفاعاً إلى إضعاف المجتمع المدني والقوى التغييرية، فيزداد اختلال ميزان القوى لمصلحة الطبقة السياسية التقليدية، ويتعمق الانسداد الذي دفع الشباب إلى الرحيل أساساً. وهكذا تتحول الهجرة من نتيجة للأزمة السياسية إلى أحد أسباب استمرارها.

ومن المفارقات المؤلمة أن النظام السياسي الذي يعجز عن الاحتفاظ بالشباب قد يستفيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من غيابهم. فالهجرة تخفف الضغوط الاجتماعية والاحتجاجية، وتبعد فئة يصعب إقناعها بالخطابات التقليدية، فيما تساعد تحويلات المغتربين على إبقاء عدد كبير من العائلات واقفاً على قدميه، فتؤجل الانفجار الاجتماعي من دون أن تعالج أسبابه. وبذلك قد تتحول الهجرة إلى صمام أمان للنظام القائم، في الوقت الذي تصبح فيه نزيفاً مستمراً للدولة والمجتمع. يغادر الشباب لأنهم فقدوا الأمل في التغيير، فيؤدي غيابهم إلى تقليص فرص التغيير أكثر فأكثر. وتبقى البلاد عالقة في دائرة مغلقة: نظام سياسي يدفع الكفاءات إلى الرحيل، ورحيل الكفاءات يساعد النظام نفسه على الاستمرار.

 دروس من تجارب دول أخرى

لا توجد دولة تشبه لبنان تماماً، لكن تجارب عدد من البلدان تؤكد أن هجرة الكفاءات ليست قدراً نهائياً، وأن بالإمكان تحويلها، جزئياً على الأقل، من خسارة دائمة إلى مصدر قوة، شرط أن تنتقل الدولة من مخاطبة المغتربين بالعاطفة إلى التعامل معهم باعتبارهم جزءاً من مشروع وطني للتنمية.

عرفت أيرلندا، على مدى مراحل طويلة، موجات كبيرة من الهجرة، كما تجدد خروج الشباب المتعلم منها خلال الأزمات الاقتصادية. لكنها لم تكتف بدعوة المهاجرين إلى العودة بدافع الحنين، بل عملت على بناء اقتصاد يوفّر الوظائف النوعية، وربطت الجامعات بحاجات سوق العمل، وشجعت العائدين على تأسيس المشاريع والاستفادة من خبراتهم وشبكاتهم الدولية.  لم تقل أيرلندا لشبابها: عودوا لأن الوطن يحتاج إليكم فقط، بل حاولت أن توفر لهم وظيفة وفرصة وبيئة قانونية وخدمات عامة ومستقبلاً يمكن الوثوق به. وهذا هو الفارق بين دعوة عاطفية إلى العودة وسياسة فعلية لاستعادة الكفاءات.

حين يشعر الجيل الجديد بأن الانتخابات لا تؤدي إلى تغيير فعلي، وأن الكفاءة لا تفتح أبواب الدولة، وأن النفوذ والمحسوبية والانتماء الطائفي أقوى من القانون، يتراجع إيمانه بإمكان الإصلاح من الداخل، ويصبح السفر بالنسبة إليه خياراً عقلانياً لا مجرد رغبة شخصية. 

أما تايوان، فقد عانت هجرة أعداد كبيرة من العلماء والمهندسين إلى الولايات المتحدة ودول أخرى. لكنها لم تحاول منع الهجرة، بل أنشأت بيئة علمية واقتصادية تجعل العودة مفيدة ومغرية. فطوّرت مراكز التكنولوجيا والبحث، ووفرت الحوافز وفرص تأسيس الشركات، فتحول كثير من العائدين إلى جسور لنقل المعرفة والخبرة والعلاقات الدولية إلى بلدهم.  وهكذا لم تعد المسألة مجرد «هجرة أدمغة»، بل أصبحت في جانب منها تداولاً للخبرات والمعرفة بين الداخل والخارج. فليس ضرورياً أن يقطع المغترب علاقته بالبلد الذي استقر فيه، بل يمكنه أن يحوّل خبرته الدولية إلى قيمة مضافة لوطنه الأصلي، متى وجد مؤسسات جدية وشفافة تتعامل معه.

وتقدم اليونان تجربة أقرب زمنياً إلى الحالة اللبنانية. فقد دفعت أزمتها الاقتصادية أعداداً كبيرة من الشباب وأصحاب الاختصاص إلى الهجرة. ثم بدأت الدولة والمجتمع الاقتصادي في التفكير في كيفية ربط الكفاءات الموجودة في الخارج بالاقتصاد المحلي، وتشجيع بعضهم على العودة أو الاستثمار أو التعاون مع الجامعات والمؤسسات اليونانية. لكن هذه التجارب تحمل أيضاً تحذيراً مهماً: لا تكفي المؤتمرات ولا الشعارات ولا الوعود لإعادة الشباب. فصاحب الكفاءة لا يعود إلى بلد لمجرد حصوله على تذكرة سفر أو مساعدة مالية محدودة، بل حين يجد مؤسسات محترمة، وأجراً عادلاً، واستقراراً قانونياً، وفرصة حقيقية للتقدم على أساس الجدارة لا المحسوبية.

ماذا يستطيع لبنان أن يفعل؟

 ليس واقعياً أن نطالب جميع المهاجرين بالعودة فوراً، كما ليس عادلاً أن نحمّل الشاب مسؤولية البقاء في بلد لا يوفر له أبسط شروط الحياة والعمل. المسؤولية الأولى تقع على الدولة والنظام السياسي والاقتصادي اللذين يدفعان الكفاءات إلى الرحيل.  ويمكن للبنان، حتى قبل تحقيق الإصلاح الشامل، أن يبدأ بخطوات عملية. أولها إنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات اللبنانية في الخارج بحسب البلدان والاختصاصات، لا بهدف إحصائها فقط، بل بهدف ربطها بالجامعات والمستشفيات والمؤسسات والشركات في الداخل.

كما يمكن إطلاق برامج للتدريس والبحث والاستشارات الطبية والتقنية عن بُعد، بحيث يستطيع الطبيب أو الباحث أو المهندس المغترب تقديم جزء من خبرته للبنان، حتى قبل أن تصبح عودته النهائية ممكنة.

 ويمكن أيضاً اعتماد عقود مؤقتة للأساتذة والأطباء اللبنانيين في الخارج، وتشجيع المشاريع المشتركة بين شركات المغتربين والمؤسسات المحلي.

ومن الضروري إنشاء صناديق مستقلة وشفافة لتمويل الأبحاث والشركات الناشئة والمبادرات الشبابية، على أن تديرها جهات مهنية بعيدة عن التدخلات السياسية. فالمغترب لن يستثمر خبرته أو ماله في مؤسسات لا يثق بإدارتها، والشاب الذي غادر هرباً من المحسوبية لن يعود إلى المحسوبية نفسها.

لكن المعالجة الحقيقية تبقى سياسية في جوهرها. فلا يمكن وقف هجرة الشباب من دون إعادة فتح أفق التغيير أمامهم. المطلوب دولة يشعر فيها المواطن بأن صوته الانتخابي له قيمة، وأن القانون يحميه، وأن الوظيفة لا تحتاج إلى واسطة، وأن الكفاءة يمكن أن تتقدم على الانتماء، وأن العمل السياسي ليس حكراً على الزعامات والعائلات والأحزاب التقليدية.

الشباب المقيمون لا يحتاجون إلى من يلومهم على التفكير في الهجرة، بل إلى سبب مقنع للبقاء. والمغتربون لا يريدون من لبنان خطباً إضافية عن حب الوطن، بل يريدون وطناً يمكن الوثوق به، ودولة تحترم علمهم وحقوقهم وقدرتهم على المساهمة.

إنقاذ لبنان لا يبدأ فقط بإعادة إعمار ما تهدّم، ولا بإعادة هيكلة المصارف واستعادة الودائع، على أهمية ذلك كله. إنه يبدأ بحماية الإنسان اللبناني من التحول إلى مهاجر دائم، وبإعادة الاعتبار إلى العلم والعمل والكفاءة والمشاركة السياسية.  فالدولة التي تخسر أموالها تستطيع أن تعيد تكوينها، والتي تخسر مبانيها تستطيع أن تعيد بناءها، أما الدولة التي تخسر شبابها ونخبها، فإنها تخسر الأشخاص الذين كان يفترض أن يعيدوا بناء الاقتصاد والعمران والمؤسسات، وأن يغيّروا النظام السياسي الذي أنتج الانهيار.  إن لبنان لا يفرغ من سكانه فقط، بل يفرغ تدريجياً من طاقته على الاعتراض والتجديد وصناعة البدائل. وحين يغادر الشباب لأنهم فقدوا الأمل في الإصلاح، يصبح رحيلهم عاملاً إضافياً في إطالة عمر الواقع الذي دفعهم إلى الرحيل. وهنا تكمن الخسارة التي لا تُعوَّض: أن يخسر لبنان مستقبله، وأن يخسر في الوقت نفسه القوة القادرة على صنع هذا المستقبل.

السابق
الرأس مقابل العين: عندما تختنق طهران تحرق المنطقة
التالي
الأمن والسيادة الوطنية مطلب اللبنانيين الشرفاء ورفضهما عمالة وانصياع