شهدت العاصمة السورية دمشق اليوم السبت حدثاً دبلوماسياً بارصاً يمثل علامة فارقة في مسار الانفتاح الدولي الجديد على البلاد، حيث وصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في زيارة رسمية وتضامنية تهدف إلى إظهار الدعم الشامل لسوريا خلال مرحلتها الانتقالية الحرجة، وذلك بعد أكثر من 13 عاماً من الحرب المدمرة التي عصفت بالبلاد.
وتعد هذه الزيارة الأولى لأمين عام للأمم المتحدة وهو في منصبه منذ اندلاع الصراع عام 2011، والأولى تاريخياً منذ زيارة الأمين العام الأسبق بان كي مون في عام 2009.
وجرى استقبال أممي رفيع المستوى في مطار دمشق الدولي، حيث كان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على رأس مستقبلي غوتيريش والوفد المرافق له، تمهيداً لبدء جدول أعمال مكثف يمتد لعدة أيام.
وور وصوله إلى العاصمة السورية، وجه أنطونيو غوتيريش رسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي عبر منصة (X)، ناشد فيها القوى العالمية عدم ادخار أي جهد في مساندة الشعب السوري، وجاء في تصريحه:
“وصلتُ للتو إلى دمشق في زيارة تضامن.. رسالتي واضحة: الأمم المتحدة تقف إلى جانب سوريا في هذه اللحظة المحورية، وأناشد المجتمع الدولي بذل قصارى جهده لدعم الشعب السوري”.
وأوضح المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن غوتيريش سيعمل خلال لقاءاته على التأكيد بأن سوريا أمامها فرصة تاريخية، ليس فقط للتعافي من آثار الصراع الممتد، بل أيضاً لوضع الأسس المتينة لمستقبل يكون أكثر استقراراً، وشمولاً، وازدهاراً لجميع السوريين بمختلف مكوناتهم.
ويتضمن جدول أعمال الأمين العام للأمم المتحدة سلسلة من اللقاءات السياسية والمدنية رفيعة المستوى في دمشق، وتتوزع الأنشطة وفقاً للمعطيات الميدانية والدبلوماسية كالتالي:
لقاء القمة في قصر الشعب: يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع الأمين العام أنطونيو غوتيريش في قصر الشعب لبحث مسارات الدعم الأممي، وملفات إعادة الإعمار، وتثبيت الاستقرار السياسي والاقتصادي.
المؤتمر الصحفي المشترك: ينتقل غوتيريش بعد لقاء الرئيس إلى قصر تشرين، حيث من المقرر أن يعقد مؤتمراً صحفياً مشتركاً مع وزير الخارجية أسعد الشيباني للإعلان عن نتائج المباحثات.
الحوار مع المجتمع المدني: تشمل المفاوضات لقاءات موسعة مع مسؤولين حكوميين آخرين وممثلين عن المجتمع المدني السوري للاستماع إلى تطلعات الشارع في المرحلة الجديدة.
وتحمل زيارة غوتيريش أبعاداً سياسية وتاريخية ترتبط مباشرة بالتحول الجذري الذي شهدته الخريطة السورية:
نهاية حقبة وبداية أخرى: تأتي هذه الخطوة الأممية بعد نجاح المعارضة السورية في الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في أواخر عام 2024، وهو الحدث الذي أنهى الحرب التي اندلعت عام 2011 وأطلق مرحلة انتقالية تديرها قيادة جديدة برئاسة الشرع، وكان غوتيريش قد وصف حينها نهاية تلك الحقبة بأنها “بادرة أمل للمنطقة بأسرها”.
التحديات الأمنية القائمة: تأتي الزيارة بعد أسابيع قليلة من تحدٍ أمني تمثل في انفجار قنبلتين بالقرب من فندق في دمشق، وهو الفندق الذي أمضى فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليلته خلال زيارته الأخيرة، مما ألقى بظلاله على المخاطر التي تحيط بأولى زيارات رؤساء دول الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عقب التغيير السياسي.
وتؤكد زيارة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق أن الأمم المتحدة تسعى لقيادة قوة دفع دولية لتثبيت ركائز العهد الجديد في سوريا وتجنب انزلاق البلاد نحو فوضى جديدة. ورغم التحديات الأمنية المتمثلة في التفجيرات المحدودة الأخيرة، فإن حضور الأمين العام بنفسه ولقاءه الرئيس أحمد الشرع يمنحان الشرعية الدولية للمرحلة الانتقالية، ويفتحان الباب أمام تدفق المساعدات وتفعيل خطط التعافي الشامل لبناء دولة مستقرة تتسع لكل أبنائها بعد عقد ونصف من المعاناة.

