تعرف ريما الرحباني – سواء تقصّدت ذلك أو لم تتقصّد – كيف تكون الحدث ومحور الحديث والجدل الذي يغذّي اليوميات اللبنانية في شتّى المستويات. بعيدًا من «الشخصنة»، فإنّ ريما الرحباني تقول ما تقوله، وتحديدًا فيما يتعلّق بإرث أسرتها (عاصي، فيروز وزياد) الموسيقي والغنائي في الظل؛ سقفها الظهور خطابيًا ونصيًا على جدار حسابها على منصّة فايسبوك، ما يجعل المتلقّي يتخيّلها وهي قابعة في غرفة مظلمة، ولا شيء منير أمامها سوى الهاتف أو شاشة اللابتوب/الحاسوب.

تصدّت هذه المرّة تحت نفس الفكرة ” الحرص على ارث الرحباني ” للموسيقي وصديق زياد الرحباني ربيع الزهر قائلةً في منشور فايسبوكي طويل نقتبس منه: ما وِقفت الإشيا عند هذا الحَدْ داير تعمُل حفلات عا ضهر زياد!!! وما شاء الله عندك تورني كمان!؟ عم تحكي جَد؟ عم تحكي جد!؟ وبس ذكّروك تستأذن من ريما بتجاوب شو بدّك بريما وإنّو إنت رح تدفع ساسيم!!؟
يا إبني إختِشي وما تحكي شي ما بتفهم فيه. اولاً اللي مفكّر تدفعُن ساسيم قرْقِشُن مع صحن حمّص من مطعمك اللي مشّالك ياه زياد، تما نقول شي تاني. تانياً مش كل شي مصاري وساسيم، في شي إسمو دروا مورالْ.”
لا نتكلّم على ريما الرحباني المرأة أو المخرجة التي لم يحالفها الحظ فنيًا، بل عن ريما الموقف والابنة و«الحارسة» التي لا تتعب من التصدّي بقلق لكلّ محاولة لطيفة أو خبيثة للاقتراب من كيان بيت عاصي الرحباني.
غريزة الابنة في الدفاع عن الإرث
في ردّها الأخير على الموسيقي ربيع الزهر، صاحب مطعم وحانة «باروميتر» – الشاهدة على تاريخ كامل من الاقتتال الأهلي في لبنان (1975-1990)، ومقهى اليساريين المثقفين وغير المثقفين ذوي الدخل المتوسّط والمحدود – لم تراعِ ريما الرحباني «الإتيكيت»، ولم تحمل «الكيلة» أو المسطرة لتقدّر وتقيس حدّة مواقفها. كانت تتكلّم بغريزة ابنة تغار على طيف أسرتها، سواء زياد الأخ الراحل أو السيّدة فيروز التي يحلف اللبنانيون بحياتها ويعتبرون صوتها خالدًا لا يتكرّر. الغاية كانت دفاعية، وقلقًا يدفعها إلى التصدّي لجسم غريب يتسلّح بصداقة و«عِشرة العمر» ليقحم نفسه في الجسم الرحباني، ولينصّب نفسه شريكًا – عن قصد أو غير قصد – في صناعة أغانٍ كانت بمثابة تجديد «زياديّ» في الخطاب الغنائي «الفيروزي»، إذا صحّت المصطلحات والاشتقاقات المرتجلة.

بمعزل عن ردّ الزهر المشروع من ناحية الشكل، والذي كان هجوميًا شخصانيًا حين قال :” “ يا عيب الشوم..هيدي اول شي، مع انو انتي انسانه ما بتعرفي بالعيب ولا بالاخلاق مظبوط.. لانو لو عندك ذرة احترام لنفسك ما كنتي بتغلطي بكرامات الناس واللي اصلا ما بتعرفيهن”... فإنّ الفكرة التي لفتني إليها أحد الزملاء، وهي «أنّ كارهي ريما هم مجموعة أشبه بلوبي، أمّا محبّوها فهم أفراد مشرذمون، بمعزل عن كثرتهم أو قلّتهم»، تنطبق تمامًا على كلّ مواقفها، حتّى التي لا تروق لنا.
لوبي الكراهية وأفراد المحبّة
كثيرون تنافسوا على التنكيل بريما الرحباني على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديدًا على فايسبوك، من لندن وبيروت والجنوب والشمال وأوروبا، بمختلف مستوياتهم الثقافية ومن شتّى المهن. الكلّ يريد مهاجمة ريما، ولكلّ واحد منهم مآربه الخاصّة. عدد من الذين نعرفهم اتّخذوا موقفًا مؤيّدًا لربيع الزهر منهم زبائن الحانة ومريديها، وبعضهم الآخر يريد ربّما الهروب من إخفاقاته العامّة وخوض معارك عنوانها «الكثرة تغلب الشجاعة».

المرأة التي اختارت الظل
يكفي ريما الرحباني اسم والدتها ووالدها وأخيها لتكون معروفة، لكنّها لم تأخذ المعنى المتوهّج للشهرة لسببين اثنين: أوّلهما عدم احتلالها مركزًا في عالم الفن، وثانيهما لأنّها تريد البقاء في الظل، وأن يبقى فضاؤها فقط محدودًا بفايسبوك، دون الركض خلف مقابلة أو حوار صحفي مكتوب.
تسلّح كثيرون بفكرة الخصومات المتواصلة بينها وبين شقيقها الراحل والمبدع زياد الرحباني (1956-2025)، أو بينها وبين أبناء عمّها الموسيقي الكبير منصور الرحباني (1925-2009)، لكنّهم تناسوا أو نسوا أنّ صلة القرابة والدم ثابتة مهما هزّتها الخلافات والمشاكل الشخصية، إذا ما أردنا القول، طبعًا، إنّ التلصّص على حياة الآخرين الخاصّة هو نوع من أنواع الهشاشة والقبح السلوكي.

البيت هو كوننا الأول
“البيت هو كوننا الأول”، عبارة للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884-1962)، يمكن إسقاطها بسهولة على بيت عاصي الرحباني. فهو كون ريما الذي لم تغادره نحو الزواج مثلًا، أو الاستمرار في محاولاتها غير الموفّقة في صياغة فنّها الخاصّ. اختارت هذا «الكون» ليكون كونها الأبدي. وإذا أردنا الحديث عن الخلافات، فللراحل زياد الرحباني الكثير من الخلافات مع والدته السيّدة فيروز وشقيقته ريما، وهو الذي سارع في آخر فصل من حياته إلى مصالحتهما وإنهاء الخلافات.

لي بحبّك رح يضلّ يحبّك
على الصعيد الشخصي، أشبه ريما الرحباني. فهي ترتجل مواقفها كون الحياة قصيرة ولا تحتاج إلى حياكة الموقف أو اتّباع نسق يجعلها مهووسة بإرضاء الجميع. هي قاعدة واحدة تذكّرني بها ريما الرحباني كلّما قرأت لها منشورًا: «لي بحبّك رح يضلّ يحبّك لو ارتكبت مجازر، ولي بيكرهك لو مشيت ع المي ما رح يحبّك»، أو بعبارة للأديب الأميركي الكبير والفوضوي الكسول تشارلز بوكوفسكي: «الحرية تبدأ حين تتوقّف عن محاولة إرضاء الجميع.”

ريما التي يهاجمها المئات والآلاف اليوم تقول كلمتها وتمشي في عالم صار فيه جميع ضحايا النكبات اليومية جنرالات يقاتلون بشراسة في عالم افتراضي قد يفنى كما سيفنى الكون يومًا ما.

