تُروى عن الرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون مقولة أصبحت مع مرور الزمن جزءاً من الأدبيات السياسية اللبنانية: “إذا أردت أن تعرف ماذا سيجري في لبنان، فانظر إلى العراق.” لم تكن هذه العبارة مجرد ملاحظة عابرة، بل قراءة عميقة لطبيعة النظامين السياسيين اللذين كانا، رغم اختلاف تكوينهما، يتأثران بالتوازنات الإقليمية نفسها وبالصراعات التي تعصف بالمشرق العربي.
على مدى العقدين الماضيين، بدت هذه المقولة صحيحة إلى حد بعيد. فما شهدته بغداد بعد عام 2003 من انهيار لمؤسسات الدولة، وصعود للفصائل المسلحة، وتوسع للنفوذ الإيراني، وجد صداه في لبنان، وإن بأشكال مختلفة. وفي كل مرة كانت تتغير فيها معادلات العراق، كان لبنان يتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لكن السؤال اليوم لم يعد: هل يشبه لبنان العراق؟ بل أصبح: هل بدأ العراق يسبق لبنان في استعادة الدولة؟
هذا السؤال يفرض نفسه مع التطورات الأخيرة في بغداد، حيث تبدو الحكومة العراقية وكأنها تحاول إطلاق مشروع سياسي يقوم على إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتعزيز سيادتها، وتحويل العراق من ساحة صراع إقليمي إلى دولة تبحث عن دور اقتصادي واستراتيجي جديد.
قد يكون الطريق طويلاً، وقد تواجه هذه المحاولة عراقيل هائلة، لكن مجرد وجود مشروع معلن لاستعادة الدولة يمثل تحولاً يستحق التوقف عنده.
في المقابل، لا يزال لبنان يدور في الحلقة نفسها.
العراق… من إدارة النفوذ إلى استعادة الدولة
منذ تشكيل الحكومة العراقية الحالية، بدا واضحاً أن بغداد تحاول إعادة صياغة علاقتها مع الداخل والخارج في آن واحد. فالخطاب الرسمي لم يعد يركز فقط على إدارة التوازنات بين القوى السياسية، بل بدأ يتحدث عن مفاهيم كانت تبدو حتى وقت قريب شديدة الحساسية، مثل تعزيز سيادة الدولة، وحصر السلاح بالمؤسسات الرسمية، ومحاربة الفساد، وجذب الاستثمارات الدولية.
لا يعني ذلك أن العراق نجح في تحقيق هذه الأهداف، ولا أن الفصائل المسلحة فقدت نفوذها، لكن الفرق الجوهري أن الدولة العراقية أصبحت تعلن بوضوح ما تريد الوصول إليه.
وهذا بحد ذاته تطور مهم.
فالدولة لا تستعاد بقرار واحد، بل تبدأ أولاً بتحديد الاتجاه السياسي.
لبنان… إدارة الأزمة بدلاً من حلها
في لبنان، الصورة معاكسة تقريباً.
فبدلاً من أن يكون مشروع الدولة هو نقطة الانطلاق، تحولت الدولة إلى طرف يحاول التكيف مع موازين القوى القائمة.
النقاش السياسي لا يدور حول كيفية تنفيذ الدستور، بل حول كيفية التعايش مع الاستثناءات التي عطلت الدستور.
ولا يدور حول احتكار الدولة للسلاح، بل حول كيفية إدارة واقع السلاح خارج الدولة.
ولا يدور حول السيادة، بل حول كيفية تجنب الاصطدام بمن يمتلك القوة.
وهنا يكمن الفارق الأساسي بين التجربتين.
العراق يتحدث عن الدولة حتى لو لم يصل إليها بعد.
أما لبنان، فما زال يناقش ما إذا كان من الممكن أصلاً العودة إلى الدولة.
لماذا يتحرك العراق؟
هناك مجموعة من العوامل التي تفسر هذا التحول.
أولها أن بغداد أدركت أن استمرار نموذج الدولة الضعيفة لم يعد مقبولاً إقليمياً ولا دولياً.
فالدول الكبرى لم تعد مستعدة لتمويل دول عاجزة عن فرض القانون.
والمستثمرون لا يغامرون في بيئات لا تملك فيها الحكومات القرار الأمني.
أما العامل الثاني، فهو أن العراق يمتلك فرصة اقتصادية كبيرة بفضل موارده الطبيعية، لكنه يحتاج إلى دولة مستقرة للاستفادة منها.
أما العامل الثالث، فهو إدراك جزء متزايد من الطبقة السياسية العراقية أن مستقبل العراق يجب أن يُبنى على المصالح الوطنية، لا على الاصطفافات الإقليمية.
ولماذا يتعثر لبنان؟
الجواب ليس في الدستور.
فالدستور اللبناني واضح في تحديد مسؤولية الدولة عن الأمن والدفاع.
واتفاق الطائف أكثر وضوحاً في تأكيد حصرية السلاح بيد الدولة.
والقرارات الدولية رسمت الإطار التنفيذي لهذا المسار.
إذاً، المشكلة ليست قانونية.
إنها سياسية.
فالسلطة اللبنانية، على مدى سنوات، لم تنجح في تحويل النصوص الدستورية إلى مشروع وطني جامع.
بل إن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية تتعامل مع الأمر الواقع باعتباره قدراً لا يمكن تغييره.
والنتيجة أن الدولة فقدت تدريجياً قدرتها على اتخاذ القرار في الملفات السيادية، قبل أن تفقد قدرتها على إدارة الاقتصاد والمال العام.
الشرق الأوسط يتغير
ما يزيد أهمية المقارنة بين العراق ولبنان هو أن المنطقة كلها تدخل مرحلة مختلفة.
المعادلات التي حكمت الشرق الأوسط بعد عام 2003 لم تعد هي نفسها.
فالولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها.
والدول العربية أصبحت تركز على التنمية والاستقرار الاقتصادي.
وحتى إيران تواجه تحديات داخلية وخارجية تدفعها إلى إعادة حساباتها.
في هذا المشهد، يصبح بقاء لبنان خارج مسار بناء الدولة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
لأن العالم لم يعد يسأل فقط: من يملك السلاح؟
بل أصبح يسأل: من يملك الدولة؟
هل ينجح العراق؟
ليس هناك ضمانة.
فالعراق سيواجه مقاومة من الفصائل المسلحة، ومن شبكات الفساد، ومن القوى التي ترى في الدولة القوية تهديداً لمصالحها.
كما أن الضغوط الإقليمية لن تختفي.
لكن وجود مقاومة لا يلغي وجود مشروع.
وهذا هو الفارق الأساسي.
فالسياسة تقاس بالاتجاه، لا فقط بالنتائج الآنية.
وهل يستطيع لبنان الاستفادة؟
هنا تعود مقولة كميل شمعون لتكتسب معنى جديداً.
فإذا كان لبنان، طوال سنوات، يتأثر بما يجري في العراق، فقد يكون من المنطقي أن يتأثر أيضاً إذا نجح العراق في استعادة الدولة.
نجاح بغداد في تعزيز مؤسساتها، واحتواء السلاح خارج الدولة، وجذب الاستثمارات، سيجعل من الصعب تبرير استمرار النموذج اللبناني الحالي.
وسيصبح السؤال الذي يطرحه اللبنانيون على أنفسهم أكثر إلحاحاً:
إذا كان العراق، بكل تعقيداته، استطاع أن يبدأ مسار استعادة الدولة، فلماذا يبقى لبنان عاجزاً؟
الدرس اللبناني
الدرس الذي يمكن استخلاصه لا يتعلق بالعراق وحده.
بل يتعلق بفكرة الدولة نفسها.
فلا يمكن بناء اقتصاد من دون سيادة.
ولا يمكن جذب الاستثمارات من دون مؤسسات قوية.
ولا يمكن استعادة ثقة المواطنين من دون قضاء مستقل وإدارة فاعلة وقرار سياسي موحد.
ولعل أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس وجود أزمة اقتصادية أو مالية، بل غياب رؤية وطنية متفق عليها للدولة التي يريدها اللبنانيون.
في العراق، قد تنجح الحكومة أو تفشل، لكن وجهتها واضحة.
أما في لبنان، فما زالت الوجهة نفسها موضع خلاف.
وهذا هو الفرق بين دولة تتحرك، ولو ببطء، نحو هدف محدد، ودولة ما زالت تتردد في إعلان هذا الهدف.
لقد كان كميل شمعون يرى أن العراق يسبق لبنان في قراءة التحولات الإقليمية.
واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، قد يكون من المناسب إعادة صياغة مقولته بما ينسجم مع المرحلة الجديدة:
“إذا أردت أن تعرف ماذا سيجري في لبنان، فانظر إلى العراق… لكن هذه المرة، لأن بغداد قد تسبق بيروت في استعادة الدولة.”
فإذا كانت العاصمة العراقية قد بدأت تطرح سؤال السيادة بوصفه مدخلاً للإصلاح، فإن لبنان لم يعد يملك ترف تأجيل السؤال نفسه. فالمستقبل في الشرق الأوسط لن يكون للدول التي تتقن إدارة الأزمات، بل للدول التي تمتلك الشجاعة للانتقال من منطق التسويات المؤقتة إلى منطق الدولة الدائمة، دولة تحتكر السلاح، وتحتكر القرار، وتستعيد ثقة شعبها والعالم بها. وهذه هي المعركة الحقيقية التي ستحدد موقع لبنان في النظام الإقليمي الجديد.

