أحرزت المحادثات غير المباشرة الجارية في العاصمة الإيطالية روما بين ممثلي لبنان وإسرائيل، برعاية وإشراف أميركي مباشر، تقدماً ملموساً على المستوى الدبلوماسي، وسط محاولات مكثفة لتذليل العقبات التفصيلية المعقدة المتعلقة بآليات الانسحاب الإسرائيلي وجدولة انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية.
ونقلت قناة «الجزيرة» عن مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية تأكيده أن «محادثات روما بين ممثلي لبنان وإسرائيل كانت مثمرة، وأن الأطراف عازمون على مواصلتها غداً الأربعاء»، في مؤشر على رغبة واشنطن في إبقاء الزخم التفاوضي قائماً ومنع انهياره.
التركيز على المنطقتين التجريبيتين وتفاصيل الميدان
وكشفت مصادر خاصة لـ قناتي «العربية» و«الحدث»، يوم الثلاثاء، أن جوهر النقاشات الحالية يتركز على التفاصيل اللوجستية والأمنية الدقيقة الخاصة بالمنطقتين التجريبيتين اللتين تم الاتفاق عليهما مسبقاً في جنوب لبنان. وتشمل هذه الملفات:
- آلية الانسحاب: كيفية ومسار خروج القوات الإسرائيلية.
- انتشار الجيش اللبناني: تحديد نقاط التموضع وآليات إحلال القوات الشرعية مكان الجيش الإسرائيلي.
- التحقق الميداني: وضع آليات رقابة موثوقة للتثبت من خلو المناطق من المظاهر المسلحة.
الشروط اللبنانية: وقف النار أولاً وجدول زمني محدد
تتمسك الهيئة اللبنانية المفاوضة بشروط واضحة لضمان عدم تحول الاحتلال إلى أمر واقع؛ إذ يطالب لبنان بـ:
- وقف شامل وفوري لإطلاق النار: لضمان بيئة آمنة للانتشار والتحقق.
- خطة انسحاب واضحة ومحددة: تشمل في مرحلتها الأولى انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من نقطة لبنانية محتلة بارزة، لتمكين بيروت من تقديم صورة ملموسة للرأي العام اللبناني والدولي عن بدء استعادة السيادة الوطنية والأراضي المحتلة.
وتبرز العقدة اللوجستية كأكثر الملفات حساسية؛ حيث لا يزال الخلاف قائماً حول أسئلة ميدانية دقيقة: من أي الطرق ستنسحب الآليات الإسرائيلية؟ كم سيستغرق هذا الانسحاب؟ وما هو الجدول المربوط زمنياً للانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية؟ وذلك في ظل امتعاض لبناني مستمر من بعض التحركات العسكرية الإسرائيلية الميدانية الحالية.
الحسابات الإسرائيلية: رصد السلاح وربط الانسحاب بالأمن
في المقابل، تشير مصادر متابعة للملف إلى أن تل أبيب لا ترغب في البقاء طويلاً في جنوب لبنان نظراً للتكلفة الميدانية والسياسية، لكنها تسعى بكل قوتها إلى تأخير خطوة الانسحاب الكامل؛ بهدف:
- منع الفراغ الميداني: التأكد التام من أن «حزب الله» لم يعد قادراً على إعادة بناء ترسانته أو بنيته العسكرية في تلك المناطق.
- البحث عن ذريعة: الرهان على أن أي رد أو تحرك عسكري من قِبل الحزب قد يمنح إسرائيل الغطاء والمبرر لعرقلة وإبطاء وتيرة الانسحاب أو مراجعة التفاهمات بأكملها.
واشنطن وفصل المسارات: هواجس الرد الإقليمي
على الجانب الأميركي، تبذل إدارة الرئيس دونالد ترامب جهوداً مضنية لفصل المسار اللبناني رسمياً عن المفاوضات الساخنة الجارية مع إيران، غير أنها في الوقت عينه تراقب بحذر شديد ارتدادات أي تصعيد مع طهران على الجبهة الجنوبية للبنان.
وتبرز داخل كواليس الإدارة الأميركية تساؤلات حيوية حول مدى قدرة الجيش اللبناني على منع «حزب الله» من استخدام الجنوب كمنطلق لفتح جبهة مواجهة جديدة، وعما إذا كان الحزب سينخرط في الصراع مجدداً في حال اتسع نطاق الصدام الإقليمي المباشر بين واشنطن وطهران. وفي غياب ضمانات قاطعة، تصر واشنطن على أن تقدم الدولة اللبنانية ومؤسستها العسكرية التزامات حازمة بمنع أي عمل عسكري خارج إطار الشرعية.
ترقب إعلان سياسي مرتقب
تتقاطع المعلومات حول احتمال حدوث خرق دبلوماسي لافت بالتزامن مع الزيارة المرتقبة للرئيس اللبناني العماد جوزيف عون إلى واشنطن.
وتشير التقديرات إلى أنه في حال عدم إعلان انسحاب إسرائيلي فعلي ومباشر على الأرض تزامناً مع الزيارة، فقد يتم كحد أدنى إصدار إعلان سياسي مشترك أو كشف جدول زمني أولي للانسحاب من المنطقتين التجريبيتين، وهو ما من شأنه دعم الموقف السياسي للرئيس اللبناني والتأكيد على جدية العملية التفاوضية.

