هل انفرط عقد «مذكرة التفاهم» بين طهران وواشنطن؟

مذكرة التفاهم

بعد أقل من ثلاثة أسابيع على بدء واشنطن وطهران تنفيذ “مذكرة تفاهم” لمدة 60 يومًا، انهار وقف إطلاق النار، وتعرضت السفن التجارية مجددًا لهجمات في مضيق هرمز، كما شنت القوات الأميركية ضربات على إيران. ومع ذلك، لا يزال الطرفان يواصلان المحادثات.

وأعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، انتهاء وقف إطلاق النار بعد أن أطلق الحرس الثوري الإيراني النار على ثلاث سفن تجارية، لكنه أكد أن المفاوضات ستستمر لأن إيران “ترغب بشدة في التوصل إلى اتفاق”.

ويشير هذا التناقض إلى أن “مذكرة التفاهم” ربما تؤدي دورًا أضيق من إنهاء الصراع. فهي فشلت في منع تجدد العنف، لكنها قد لا تزال توفر إطارًا يسمح لواشنطن وطهران باحتواء التصعيد، والحفاظ على قنوات الاتصال، وإجراء المفاوضات بالتوازي مع المواجهات العسكرية.

وقد أضرت الأزمة الأخيرة بالفعل بأحد الأهداف الرئيسية للمذكرة، وهو استعادة العبور التجاري الآمن عبر مضيق هرمز، بينما كان الطرفان يسعيان إلى اتفاق أوسع بشأن البرنامج النووي الإيراني والقضايا الخلافية الأخرى.

ولم يعد السؤال المطروح ببساطة هو ما إذا كان وقف إطلاق النار قد صمد، بل ما إذا كانت المذكرة اتفاق سلام أصلاً، أم مجرد آلية لإدارة حرب لم تنتهِ بعد.

واختلف الخبراء، الذين تحدثوا في بودكاست “عين على إيران” التابع لـ “إيران إنترناشيونال”، بشأن ما إذا كان هذا الترتيب لا يزال قابلاً للاستمرار، لكنهم اتفقوا عمومًا على أن كلاً من واشنطن وطهران لا يزال لديهما أسباب تحول دون انزلاق المواجهة مجددًا إلى حرب شاملة.

وقال الباحث في “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”، جوناتان سايه، إن طهران ربما اعتقدت أنها تستطيع اختبار حدود الرد الأميركي، وامتصاص رد محدود، مع الاحتفاظ بمعظم المكاسب الاقتصادية التي حصلت عليها بموجب الاتفاق.

وأضاف: “بالنسبة لهم، كان ذلك رهانًا يستحق المخاطرة إلى حد ما”.

ومن وجهة نظر الحرس الثوري، قد تكون النتيجة لا تزال أقل سوءًا من أسوأ السيناريوهات؛ فقد تعرضت إيران لضربات، لكن الحصار البحري الواسع لم يُفرض مجددًا بالكامل، ولا تزال طهران قادرة على بيع النفط إلى الصين، كما أن المواجهة لم تتحول فورًا إلى حرب شاملة.

وشكك سايه أيضًا في الرواية التي تقول إن الحكومة المدنية في إيران فقدت السيطرة ببساطة على الحرس الثوري.

ورأى أن طهران ربما تلجأ إلى نسخة جديدة من استراتيجية “الشرطي الجيد والشرطي السيئ”، بحيث يسعى المسؤولون المدنيون إلى انتزاع تنازلات، بينما يقدمون الحرس الثوري باعتباره قوة مستقلة لا يستطيعون السيطرة عليها بالكامل.

ومن جانبه، قال المؤرخ والكاتب في مجلة “ذي أتلانتيك”، آرش عزيزي، إن الهجمات لم تؤدِّ بالضرورة إلى انهيار الإطار الأوسع للمذكرة.

وأضاف: “لا أعتقد إطلاقًا أنها كانت محكومة بالفشل، وفي الواقع لا أعتقد أنها فشلت حتى الآن”.

وأشار إلى أن أياً من واشنطن أو طهران لا يبدو متحمسًا لاستئناف حرب شاملة، وهو ما قد يساعد في استمرار المفاوضات حتى بعد انهيار وقف إطلاق النار.

وأضاف عزيزي أن الضغوط التي يمارسها المتشددون على الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي قد تفسر أيضًا الهجمات، إذ قد تخشى الفصائل المعارضة للاتفاق أن يؤدي مرور 60 يومًا من الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز إلى تقليص قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط.

ورأت كبيرة محللي السياسات في “إيديولوجي ماشين”، فاطمة الأسرار، أن الغموض الذي اكتنف مذكرة التفاهم ربما خدم الحرس الثوري منذ البداية.

ووصفَت المذكرة بأنها “مذكرة للتراجع”، معتبرة أنها أجّلت أو أضعفت المطالب الأميركية السابقة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وحلفاء طهران المسلحين، وسلوكها الإقليمي.

وقالت: “تمنحك مذكرة التفاهم شعورًا ربما يكون زائفًا بالتقدم، وأعتقد أنها في معظمها ذات طابع استعراضي. إنها هدنة، وهذا أمر جيد، لكنها مدفوعة بمكاسب سياسية قصيرة الأجل”.

وأضافت أنه بدلًا من تجريد إيران من قدرتها على تهديد الملاحة، ربما سمحت لها المذكرة بالاحتفاظ بما يشبه “مفتاحًا جيوسياسيًا”، إذ تستطيع خفض التوتر عندما تسعى إلى تخفيف العقوبات أو زيادة عائدات النفط أو تحقيق مكاسب دبلوماسية، ثم تعود إلى تعطيل الملاحة عندما تريد تعزيز أوراق الضغط.

ولا تقتصر تداعيات ذلك على واشنطن وطهران؛ إذ إن أي اضطراب في مضيق هرمز يرفع تكاليف الشحن والطاقة، ويمكن أن يؤثر في إمدادات الأسمدة وأسعار الغذاء في أنحاء آسيا وغيرها من المناطق المعتمدة على الواردات.

ووصف مدير الاتصالات في منظمة “إن جي أو مونيتور”، إيتاي ريوفيني، “مذكرة التفاهم” بأنها استجابة مرنة صُممت لتلبية الاحتياجات الفورية لجميع الأطراف.

وأوضح أن إيران كانت تريد وقف الضربات الأميركية والإسرائيلية قبل أن تهدد بقاء النظام الحاكم، بينما كانت واشنطن ترغب في تجنب حرب جديدة طويلة في الشرق الأوسط، وكانت إسرائيل قد أثبتت قدرتها على ضرب إيران لكنها واجهت أيضًا تكاليف ومخاطر استمرار الحملة العسكرية.

وقد خفض الاتفاق حدة الحرب، من دون أن يحل الخلافات التي تسببت فيها.

وقال ريوفيني: “يبدو لي أن الخطوط الحمراء يجري دفعها باستمرار”.

وقد تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الآن في دورة طويلة يختبر فيها كل طرف إلى أي مدى يستطيع الذهاب دون التسبب في اندلاع حرب كبرى جديدة.

وربما يفسر ذلك استمرار العمل العسكري والدبلوماسية في الوقت نفسه.

فـ “مذكرة التفاهم” لم تنشئ عملية سلام تقليدية تتوقف فيها أعمال العنف قبل بدء المفاوضات، بل أنشأت إطارًا تتزامن فيه الضربات والتهديدات والردود والوساطات معًا.

وقد أضرت الهجمات في مضيق هرمز بهذا الإطار، وزادت من خطر سوء التقدير، ما قد يجعل أي جولة قتال جديدة أوسع نطاقًا وأكثر تدميرًا.

لكن الإجابة عن سؤال ما إذا كانت مذكرة التفاهم قد انتهت تعتمد على ما كان متوقعًا منها أصلاً.

فقد تكون الهدنة قد انتهت، أما المواجهة المُدارة التي أوجدتها المذكرة، فقد تكون بدأت للتو.

السابق
زخم دبلوماسي أميركي وأوروبي يواكب الانطلاقة الوشيكة لـ «المناطق التجريبية» جنوباً.. ولبنان يثبّت حضوره في جولة روما