دخل الملف اللبناني منزلقاً دبلوماسياً وسياسياً بالغ الحساسية، بالتوازي مع تسارع المواجهة العسكرية المفتوحة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في المنطقة؛ حيث كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة أن الإدارة الأميركية انتقلت رسمياً من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة الدفع القوي والملزم لتنفيذ بندود «الاتفاق الإطاري» بكل مندرجاته.
وتقوم الرؤية الأميركية على معادلة واضحة لا لبس فيها: انسحاب إسرائيلي تدريجي ومتزامن من جنوب لبنان، مقابل استكمال بسط سلطة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيدها، بما يشمل إنهاء الواقع العسكري والأمني الذي فرضه «حزب الله» خارج إطار الشرعية الدستورية.
وفي المقابل، تؤكد المصادر أن هامش المناورة بات منعدماً تماماً أمام «حزب الله» الذي لا يزال يتمسك بخيار ربط الجبهة اللبنانية بالمواجهة الإيرانية لإبقائها ورقة تفاوض بيد طهران.
ووضعت الأوساط الدبلوماسية لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط الفوري في تنفيذ الاتفاق الإطاري الذي يقود إلى تسليم السلاح غير الشرعي واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وإما الانزلاق مجدداً إلى أتون حرب مفتوحة قد تنتهي بوصول الجيش الإسرائيلي إلى نهر الأولي وفرض اتفاق نهائي بشروط المنتصر.
قمة الناتو تسحب أوراق طهران.. وتنسيق حدودي بين بيروت ودمشق
وفي تطور إقليمي بارز، كشف مصدر دبلوماسي لـ«نداء الوطن» أن حضور الملف اللبناني بقوة في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خلال اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، حمل دلالات بالغة العمق؛ أبرزها الاتجاه الدولي الحاسم نحو تجفيف قنوات الدعم المالي والعسكري التي كان يستفيد منها «حزب الله» عبر تركيا وسوريا.
وأوضح المصدر أن قمة الناتو سحبت آخر الأوراق الإقليمية من يد طهران، مرجحاً تبلور إجراءات سريعة تتمثل في تنسيق ميداني مباشر على طول الحدود اللبنانية – السورية بين جيشي البلدين لتضييق حركة شبكات العبور غير الشرعية، مشدداً على أن طهران تلقت الرسالة جيداً وأدركت أن أي مغامرة عسكرية جديدة ستكون باهظة الكلفة والتعقيد.
جولة مفاوضات روما: حسم اللجان وتحديد مناطق الانسحاب التجريبية
وعلى الصعيد التفاوضي، أكدت مصادر رسمية لـ«الجمهورية» أن لبنان قرر رسمياً المشاركة في جولة المفاوضات المباشرة المقررة في روما يومي 14 و15 تموز الجاري، وذلك بعد تبلغه توضيحات أميركية مقنعة حول طبيعة الجلسات وتأكيد حضور واشنطن الراعية للاتفاق، في حين لا يزال مستوى التمثيل اللبناني موضع بحث لم يُحسم بعد.
ونقلت «نداء الوطن» أن اجتماع روما المرتقب سيتولى رسمياً تسمية اللجان (الأمنية، التقنية، ولجان ترسيم الحدود)، على أن يسمى أعضاء كل لجنة من قِبل بلدانهم عقب الاجتماع لتتوالى المباحثات حسب الاختصاص، دون إلغاء دور وفد المفاوضات الأساسي برئاسة السفير السابق سيمون كرم الذي يقود اللجنة السياسية الأهم لتصويب بوصلة التفاوض.
وفي السياق الميداني، كشف مسؤول أميركي لـ«الجمهورية» أن المحادثات اللبنانية – الإسرائيلية انتقلت بالفعل إلى مرحلة تنفيذ إطار العمل الفعلي على الأرض، مشيراً إلى أن العمل جارٍ حالياً على إعداد الخرائط التفصيلية، وأن «أول منطقة تجريبية سينسحب منها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان ستُحدَّد وتُحسم خلال الأيام القليلة المقبلة»، لتتبعها مناطق نموذجية أخرى لضمان عودة الجيش اللبناني وتثبيت سلطة الدولة ونزع السلاح.
بعبدا تستنفر سيادياً: الوفد المرافق لـ واشنطن يتبلور
توازياً مع هذه الأجواء، يشهد قصر بعبدا حراكاً دبلوماسياً ووطنياً كثيفاً؛ حيث استقبل رئيس الجمهورية جوزف عون رئيس لجنة الشأن الوطني وشفاء الذاكرة المطران بولس مطر وأعضاء اللجنة من المطارنة، مؤكداً أمامهم أن المرحلة الراهنة تتطلب تضامناً وطنياً شاملاً لمواجهة التحديات، ووضعهم في صورة معطيات صيغة الإطار المنبثقة عن مفاوضات واشنطن.
ويعكف الرئيس عون في الأيام المقبلة على تشكيل الوفد الرسمي المرافق له في زيارته المقررة إلى البيت الأبيض في 21 تموز الجاري، حيث يتابع التفاصيل اللوجستية والسياسية مع السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى وسفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض، وسط تأكيدات بأن الزيارة ستكون ذات مطالب سيادية بامتياز من النواحي كافة.
وترى الدولة اللبنانية، بحسب مصادر «الجمهورية»، أن الرهان على هذا المسار الدبلوماسي وتثبيت صيغة الإطار برعاية أميركية هو الخيار الوحيد والآمن لحماية البلاد من تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي، والمدخل الحقيقي والوحيد لاستعادة السيادة الكاملة على الجنوب وإنعاش الاستقرار الأمني والاقتصادي.

