نعش خامنئي في الضاحية!

علي خامنئي

يستمر موكب نعش المرشد الإيراني علي خامنئي في الطواف في الجمهورية الإسلامية، على أن ينتقل إلى العراق قبل أن يوارى الثرى بعد أيام في مشهد الإيرانية.

ويشير تقرير لوكالة رويترز إلى أن إقامة مثل هذه الجنازة تشكل حدثًا نادرًا في إيران، فهي الأولى لزعيم أعلى منذ عام 1989، حين دُفن سلف خامنئي، آية الله روح الله الخميني، وأقيمت جنازته وقتها في فترة من الحماسة الأيديولوجية الشديدة، واجتذبت، بعد يومين من وفاته، الملايين في مشاهد كادت أن تتحول إلى فوضى في بعض الأحيان.

لم يتسنَّ دفن خامنئي، الذي قُتل في 28 شباط، في وقت سابق بسبب الحرب، رغم أن الشريعة الإسلامية تدعو إلى سرعة الدفن. إلا أن هذا التأخير أتاح أيضًا للسلطات الوقت الكافي للتخطيط لمراسم رسمية ضخمة.

وتشكل مراسم هذا الأسبوع أيضًا أول تجمعات عامة ضخمة منذ نهاية حرب اعتبرها أنصار الجمهورية الإسلامية حربًا وجودية، هدد فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن “حضارة بأكملها ستموت”.

مقارنة مع جنازة نصرالله

يمثل شهر شباط الماضي، الذي شهد مصرع خامنئي في غارة إسرائيلية على مقره الحصين في طهران، أيضًا، في العام الماضي، شهر تشييع الأمين العام السابق لـ”حزب الله” حسن نصرالله في 23 شباط 2025، في جنازة أقيمت في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت، بعد تعذر الدفن لبضعة أشهر بسبب الحرب التي شهدها لبنان عام 2024، وبلغت ذروتها في مصرع نصرالله بغارة إسرائيلية، في أيلول من ذلك العام، على مقره الحصين في الضاحية الجنوبية لبيروت.

تتيح المقارنة بين جنازتَي خامنئي ونصرالله لمس فارق جوهري، ألا وهو المساحة الواسعة لتحرك نعش الأول، وضيق مساحة تحرك نعش الثاني. لكن، على الرغم من هذا الفارق، لا بد من الإشارة إلى أن الحرب التي طالت لبنان، ولا تزال، منذ 8 تشرين الأول 2023، التي فتحها نصرالله في ذلك التاريخ إسنادًا لغزة، ثم وسّع دائرتها الأمين الحالي للحزب الشيخ نعيم قاسم في 2 آذار الماضي، هي ذات تأثير مماثل على إيران، التي عرفت للمرة الأولى في تاريخها حربًا أميركية – إسرائيلية، بدءًا من حزيران 2025، ثم في نهاية شباط الماضي.

ضيق الجغرافيا واتساع الرمزية

وهكذا، أباحت الضرورات المحظورات لجهة دفن الميت، ولو بعد شهور من رحيله. لكن زعيم إيران الراحل حظي بخاتمة لم يعرفها تابعه اللبناني. وسينال خامنئي مرقدًا في مسقط رأسه، مدينة مشهد، في حين إن نصرالله لن يصل جثمانه إلى البازورية، مسقط رأسه في جنوب لبنان، الذي صار، في مساحات واسعة، متعذرًا على جثامين الآلاف من الذين سقطوا في الحرب الدائرة منذ ثلاثة أعوام.

كان مألوفًا عند شيعة لبنان، منذ زمن بعيد، أن يوصي الإنسان، قبل رحيله، بأن يُدفن في مدفن السيدة زينب في دمشق، أو في النجف حيث مرقد الإمام علي، وذلك للدلالة على حرية القرار لدى شيعة لبنان في الجغرافيا المتصلة بمثوى موتاهم، فيتعدى النطاق لبنان ليصل إلى سوريا والعراق.

أما اليوم، فبات هذا النطاق ضيقًا إلى حد أن لبنان نفسه لم يعد، في جغرافيته، متاحًا كما يشاء الراحلون من أبنائه أو أولياؤهم.

تتيح المقارنة بين جنازتَي خامنئي ونصرالله لمس فارق جوهري، ألا وهو المساحة الواسعة لتحرك نعش الأول، وضيق مساحة تحرك نعش الثاني.

رسائل الجنازة إلى واشنطن وتل أبيب

نعود إلى بعد سياسي يتحكم بمسار الأحداث اليوم. فتقول رويترز أيضًا: لم تكن جنازة الزعيم الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي مجرد وداع وطني، فالمشهد المهيب لحشود المشيعين يتجاوز ذلك إلى توجيه رسالة للولايات المتحدة وإسرائيل بأن محاولتهما لإخضاع الجمهورية الإسلامية باءت بالفشل.

وبدلًا من أن تبدو بمظهر الدولة الضعيفة التي أنهكتها الحرب، التي بدأت بضربات أميركية وإسرائيلية في 28 شباط، تقدم إيران نفسها قوة موحدة قادرة على التحدي، وعازمة على تشكيل مستقبلها.

ويقول مسؤولون إقليميون ودبلوماسيون ومحللون إن هذا التحدي والقدرة على الصمود يشكلان الآن أساس استراتيجية طهران التفاوضية، ويصفون الجنازة بأنها اللحظة التي سعت فيها طهران إلى تحويل قدرتها على التحمل إلى ورقة ضغط.

هرمز..الألماسة الإيرانية

ويشير المسؤولون والمحللون إلى أن الحرب كشفت بوضوح نفوذ إيران على مضيق هرمز، وقدرتها على المطالبة بأن يبدأ أي اتفاق بشأن برنامجها النووي بالاعتراف بأن سيطرتها على هذا الممر الحيوي للنفط حقيقة واقعة لا بد من قبولها.

وقال أليكس فاتانكا، من معهد الشرق الأوسط، ومقره في الولايات المتحدة، إنه على الرغم من إمكانية جني عائدات ضخمة من فرض رسوم على السفن التي تعبر المضيق، فإن طهران تنظر إلى هرمز باعتباره مصدرًا للشرعية السياسية أكثر من كونه موردًا اقتصاديًا.

وأضاف فاتانكا: “الدلالات الرمزية أكثر أهمية بالنسبة للإيرانيين من العائدات. إنهم يريدون، نوعًا ما، القبول، بما ينطوي عليه ذلك من دلالات، بأن المضيق ملك لإيران. الأمر يتعلق بقبول إيران كقوة ذات سيادة على المضيق”.

واستشهد فاتانكا بمثل فارسي يقول: “لماذا نقايض قطعة ألماس بمصاصة؟”

وهرمز، بحسابات طهران، هو الألماسة. أما رفع العقوبات والأصول المجمدة، فهي المصاصة.

لم يتسنَّ دفن خامنئي، الذي قُتل في 28 شباط، في وقت سابق بسبب الحرب، رغم أن الشريعة الإسلامية تدعو إلى سرعة الدفن.

هل تصل “الألماسة” إلى الضاحية؟

تنفتح، مع هذا المثل الفارسي، نافذة للمقارنة بين أحوال إيران ولبنان. وتقودنا المقارنة مجددًا إلى مدى تأثير وصول نعش خامنئي إلى الضاحية الجنوبية في بيروت، قبل أن يختتم مساره في مشهد.

فهل سيكون الحال، إذا ما تحقق، بمثابة ماسة في تاج الإمبراطورية الفارسية الحديثة التي تترامى من بحر قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط؟

لو عاد الأمر إلى النعش، لما رفض زيارة الضاحية الجنوبية. لكن القرار، في هذا الزمن، لن يكون للنعوش.

السابق
الشرع وماكرون يطلقان شراكة اقتصادية لإعادة إعمار سوريا… وفرنسا تدخل بقوة