قرأت “اتفاق الاطار” فور الإعلان عن صدوره. لم أشعر بالاستياء ولا بالامتنان، اذ لم اكن اتوقع لا انسحابا اسرائيليا ولا تنفيذا فوريا لباقي المطالب اللبنانية. لا مؤشرات، ميدانية وسياسية، كانت توحي بذلك، ولا تحليلا عقلانيا لموازين القوى كان يسمح بتوقع نتائج حاسمة ونهائية. لا سيما ان ما أُتفق عليه هو “اطار” لمفاوضات لاحقة من المفترض ان توضح الكثير من الغموض في النص الحالي وان تفضي الى إقرار خطوات تنفيذية تحسم التأويلات حول الانسحاب الإسرائيلي كما حول سلاح حزب الله، فضلا عن عودة النازحين وإطلاق الأسرى واعمار البلدات والقرى المهدمة.
بعد الضجيج الاعلامي الذي تلا الإعلان عن “اتفاق الاطار”، ودخول التعابير التخوينية سريعا الى النقاش الدائر، من مثل “اتفاق الذل والعار” او ما شابه، لم أجد فائدة من حوار عقلاني يستند الى ما جاء في بنود نص الاتفاق وليس الى تقدير النيات. لا سيما ان خلفية الخلاف بين السلطة السياسية وحزب الله على “اتفاق الاطار” هي على “إطار اتفاق الاطار”، فحزب الله يريده ايرانيا- اميركيا فيما تصر السلطة السياسية على ابقائه لبنانيا- اسرائيليا- اميركيا. وعندما يختلف جذريا الاطار الذي يُناقش فيه موضوع ما، يصبح النقاش بدون فائدة، الا اذا كان الهدف التأكيد على الخلاف.
منذ اللحظة الاولى بدا لي “اتفاق الاطار” كـ”دولاب نجاة” في التوقيت الذي صدر فيه، وما سهّل عليّ تبني هذه النظرة، هو ان كلمة إطار التي تعني لغةً كل ما أحاط بالشيء من الخارج، تعني ايضا في احد معانيها، “الكاوتشوك المطاطي الذي ينفخ بالهواء ويوضع على عجلات السيارة”، اي “الدولاب” باللغة الدارجة.
الاتفاق انقذ صور والنبطية
ادعو المواطنين اللبنانيين الحريصين على مناقشة “اتفاق الاطار” بين لبنان وإسرائيل بشيء من الموضوعية، الى محاولة النظر الى هذا “الاطار” الذي جرى الاتفاق عليه، ك”دولاب نجاة.”
فريقان سيرفضان التشبيه، الفريق الذي يكابر ولا يعترف ان لبنان يغرق وهو بحاجة الى دولاب نجاة، والفريق الذي يبالغ في تقديره لأهمية الاتفاق ويعتقد أن “اتفاق الاطار” ليس “دولاب نجاة” فحسب بل عملية الإنقاذ نفسها.
عمليا لقد جرى إقرار “اتفاق الاطار”، في لحظة تعرّض النبطية وصور لخطر الغرق في وحول الاحتلال الاسرائيلي، بعد غرق بلدات وقرى جنوب الليطاني، وتعدد الإشارات الى ان إسرائيل تنوي توسيع احتلالها الى شمال الليطاني.
في توقيته كان “اتفاق الاطار” اذاً “دولاب نجاة” قبل ساعات من اتساع مساحة الاحتلال الذي كان يبدو حتمياً. من لا يرى ذلك يكذب، وهو نفسه الذي اعتبر “اتفاق الاطار” كأنه لم يكن، بدل أن يعترف أن لولاه لكانت النبطبة وصور، مثلهما مثل الخيام وبنت جبيل، كأنهما لم يكونا.
لم يكن “اتفاق الاطار” في توقيته، “دولاب نجاة” للنبطية وصور ولشمال الليطاني فحسب، بل كان أيضا “دولاب نجاة” من الاستمرار في الغرق في ويلات الوصاية الايرانية على لبنان بعد التفاهم الأميركي- الايراني الذي كان يطمح لذلك، والذي سبق “اتفاق الاطار” بأيام قليلة.
غير أن “دولاب النجاة” هذا، مثله مثل أي دولاب نجاة آخر، لا يستطيع وحده إتمام عملية الإنقاذ. لذلك تحيط به حبالٌ للإمساك به ويلقى في الماء لمساعدة الأشخاص المعرضين للغرق لحين وصول فرق الإنقاذ . للاسف، وبحسب مضمون “اتفاق الاطار”، “دولاب النجاة” مشدودٌ الى حبال رفيعة معرضة للانقطاع من كثرة شد الحبال المتوقع بين اسرائيل وإيران بسواعد حزب الله؛ كما أنه ليس مؤكدا بعد اذا كانت فرق الإنقاذ الذي نص عليها “الاتفاق” والمؤلفة من الجيش اللبناني وربما من عناصر من الجيش الاميركي، قد أصبحت مستعدة للتدخل للجم اسرائيل وحزب الله على حد سواء وانقاذ الشعب الجنوبي من مخاطر الغرق الاكيد، وقبل فوات الاوان.
أكثر ما يغيب في التحليلات السياسية وفي النقاشات حول “اتفاق الاطار”، هو اعتباره استجابة لحالة الطوارىء التي يعيشها الشعب الجنوبي والتي تحتاج الى المعالجة المناسبة والملحة. انه اشبه بالمشروع الاغاثي في الازمات الاقتصادية- الاجتماعية، في حين يتعامل معه منتقدوه وكأنه مشروع يتوخى التغيير الاقتصادي الجذري من خلال قلب الاوضاع رأسا على عقب.
حزب الله يصادر صوت الجنوبيين
نعم الغائب الاكبر في النقاش الدائر حول “اتفاق الاطار” هو صوت المعنيين مباشرة بنتائجه، اي أصحاب الارض والارزاق والبيوت المهدمة. فصوت هؤلاء مصادر من قبل حزب الله، او على الاقل، مُحتكر من طرفه دون منازع. ففي حين ان حزب الله- المنتصر الدائم- لا ينقصه الا اتفاق يتوّج هذا الانتصار، في وقت، وبحسب رأيه، تتقاعس فيه السلطة السياسية عن إجبار اسرائيل واميركا على اقراره، يعيش اهل الجنوب حالة طوارىء تتطلب “دولاب نجاة” بدايةً وبشكل سريع لا يحتمل انتظار الاتفاقيات الكبرى، “دولاب نجاة” تُمسك به بقوة حبالٌ وطنية وفرق إنقاذ لا تتأخر في مد اليد الواثقة والموثوقة للمعرضين للغرق. وربما فتحت “المناطق التجريبية” التي نص عليها الاتفاق، الطريق للجيش اللبناني لتوسيع مساحة الأمان للجنوبيين، والعمل بدعمهم، وبحسب ما ستؤول اليه التجربة والمفاوضات، على بسط سيادة الدولة على كامل التراب اللبناني.
ليست مسألة هامشية في تأثيرها على حياة الجنوبيين بشكل عام، ان تكون الأعمال العدائية الاسرائيلية قد خفّت كثيرا بعد “اتفاق الاطار” وأن يكون ٦٥٠ الف نازح قد عادوا الى ارضهم ان لم يكن الى بيوتهم.
عندما تصبح معاناة اهل الجنوب هي المعيار الأول لتقييم “اتفاق الاطار” والمحرك الاساسي لتدعيمه بما يخدم مصالحهم،
ربما يضطر الطرفان اللبنانيان المتنازعان الى الانخراط في حوار بنّاء في إطار المؤسسات الدستورية الحالية، وصولاً للاتفاق على عملية إنقاذ فعلية للّبنانيين وللبنان. اما إسقاط الحكومة بهدف تأليف حكومة جديدة وإيجاد بدائل عما تطرحه الحكومة الحالية، فلن يؤدي عمليا اذا قُدّر له إن ينجح، الا الى فراغ حكومي، تملأه اسرائيل وإيران، ويضيع معه الجنوب ولبنان.

