منير الربيع يكتب الساعات الأخيرة للأسد… ويقرأ ملامح سوريا الجديدة

لا يمكن الحديث عن سوريا قبل سقوط نظام آل الأسد وبعده من دون العودة إلى التاريخ والبحث السياسي. والحقّ أن العمل البحثي المقارن يُعدّ من أدقّ وأصعب الممارسات الكتابية التي تواجه الباحث والمتلقّي في آنٍ معًا، إذ لا تقتصر المقارنة على إبراز الفوارق بين الشيء ونقيضه، أو بين الأمس واليوم، بل تقوم على قراءة متأنية ومتواصلة لأكبر قدر ممكن من المصادر والمراجع، بما يتيح للباحث بناء عمل قابل للتطوير وإنتاج معرفة جديدة.
وتزداد صعوبة هذا النوع من الكتابة حين يكون العمل متعدد الأبعاد، يجمع بين الرأي المستند إلى التجربة، والمعلومات المستقاة من مسؤولين وشهود عيان، والمرجعيات المستمدة من كتب السياسة والتاريخ السياسي.
في كتابه «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع»، الصادر عن دار رياض الريّس للكتب والنشر (الطبعة الأولى، نيسان/أبريل 2026)، يحمل منير الربيع خلاصاته السياسية والبحثية والصحفية إلى القارئ السوري والعربي، مبتعدًا عن النمطية والإنشائية، ومعتمدًا بنية سردية ذات طابع تواصلي تختصر الحقبة الأسدية منذ عام 1970 حتى لحظة السقوط. كما يقف على مسافة نقدية من الماضي السوري ومن الحاضر الذي لا يزال قيد التشكّل، وهو ما يفسّر الطبيعة الصحفية الواضحة للكتاب.

لغة تجمع بين الشعر والسياسة

ابتعد الربيع عن المقدمات المطوّلة، ودخل مباشرة في معالجة فكرته الأساسية وإشكاليته المتعلقة بمستقبل سوريا السياسي، مستخدمًا لغة سهلة المفردات، تقوم على جمل قصيرة وإيقاع سريع.
ولا يمكن إغفال المستوى اللغوي للكتاب، إذ تبدو المحاولة واضحة في الحديث عن سوريا ودمشق بلغة تمزج بين الشعر والتاريخ والسياسة والسوسيولوجيا. كما نجح الكاتب في المزج بين الذات والجماعة في معظم سياقاته، وهو ما منح الكتاب، القائم في جوهره على معلومات مستمدة من مصادر معارضة، وشهادات معتقلين سابقين في سجن صيدنايا، ومقاتلين في هيئة تحرير الشام، إيقاعًا خاصًا يجمع بين متعة القراءة والفائدة المعرفية.
فالكتاب يحقق هدفين متوازيين: الأول أسلوبي يتمثل في المتعة والإيجاز، والثاني معرفي يقوم على تتبع المسار الخفي لسقوط نظام الأسد ووصول المعارضة إلى العاصمة دمشق. كما يوظّف اللغة في نقل الانطباعات الشخصية، وطرح الأسئلة المتعلقة بسوريا المستقبل، وهي أسئلة برزت بصورة خاصة في الفصل الثاني من الكتاب.
وفاجأ الكاتب قارئه بمستوى لغوي ابتعد عن الشكل البحثي التقليدي القائم على كثافة التوثيق والهوامش وقوائم المصادر، ليقدّم لغة تمتزج فيها العاطفة بالانحياز إلى الحرية، وبالمساءلة السياسية، وبمقاربة مستقبلية لدور الرئيس السوري أحمد الشرع، القادم من خلفية أيديولوجية وقتالية.

منير الربيع

حياد صحفي في مقاربة مرحلة انتقالية

على المستوى السياسي، عرف منير الربيع كيف يتجنب الوقوع في التناقض. فعمله صحفيًا ورئيسًا لتحرير جريدة «المدن» الإلكترونية، ومنهجه التحليلي القائم على المعلومة والتساؤل أكثر من إطلاق الأحكام، لم يتعارضا مع تأييده للثورة السورية ومقاربته النقدية للمرحلة.
فالقسم الأول من الكتاب يقوم على سرد الوقائع بأقل قدر ممكن من الذاتية، وبنبرة أقرب إلى الاختزال العلمي، فيما يتناول القسم الثاني مرحلة أحمد الشرع بوصفها مرحلة لا تزال قيد التشكّل. ومع ذلك، بقي الربيع صحفيًا ينتقل من معلومة إلى أخرى، ومن حدث إلى آخر، من دون أن يقع في مديح مرحلة أو هجاء أخرى.

وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط قوة الكتاب؛ إذ ينجح في الجمع بين مناهضة نظام استبدّ بسوريا طوال أكثر من خمسين عامًا، والحفاظ في الوقت نفسه على مسافة تحليلية تتيح للقارئ تكوين موقفه الخاص. وهو ما يلخّصه العنوان نفسه بكلمتين مفتاحيتين: «الخفايا» ذات البعد الصحفي، و«الرؤية» ذات البعد التحليلي النقدي.

وثيقة تتجاوز حدود اللحظة

يبدو الكتاب متنفسًا لمنير الربيع كي يعبّر عن المشاعر والخبرات والمسارات التي راكمها خلال سنوات متابعته للحكاية السورية. غير أن قوة اللغة، إلى جانب طبيعة المقاربة الصحفية والسياسية، جعلت منه عملًا يتجاوز التصنيف التقليدي للكتب السياسية، ليغدو وثيقة يمكن الاستناد إليها في تتبّع تفاصيل الساعات الأخيرة لسقوط نظام تبخّر أمام الرأي العام بصورة مفاجئة.
وفي الوقت نفسه، يشكّل الكتاب دعوة إلى التريث في إطلاق الأحكام على النظام السوري الجديد، الذي لا يزال يواجه تحديات بناء الدولة وإعادة ترتيب الأوراق الداخلية والخارجية، في مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة.

السابق
جنبلاط ينقلب على اتفاق الإطار: خطوة خاطئة… وإسرائيل لن تنسحب