الخطر الصامت: إلغاء الامتحانات كنموذج لما يهدد مستقبل لبنان التربوي

منى فياض

في الأيام الأخيرة، أثار قرار إلغاء الامتحانات الرسمية فرحة عارمة لدى كثير من التلاميذ. وهذا شعور مفهوم بعد سنوات صعبة من الأزمات والضغوط. لكن خلف هذا الارتياح، هناك سؤال يجب أن يُطرح بجدية: هل نحن نسهّل على أبنائنا مستقبلهم اليوم، أم نُصعّبه عليهم غدًا؟

المشكلة ليست في الامتحانات بحد ذاتها، بل في ما تعكسه. فما نشهده اليوم في لبنان هو تراجع واضح في مستوى التعليم، لكن الأخطر من ذلك هو أن هذا التراجع لا يصيب الجميع بالنسبة نفسها أو بالشكل نفسه. فهناك من لا يزال قادرًا على تأمين تعليم جيد لأبنائه، وهناك من لم يعد يملك هذه القدرة.

اللامساواة المعرفية… الأزمة الحقيقية

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: اللامساواة المعرفية.

بكلمات بسيطة، هناك طلاب لديهم:

* إنترنت دائم.

* أجهزة كمبيوتر.

* مدارس جيدة.

* دعم عائلي.

وفي المقابل، هناك طلاب:

* يعانون من انقطاع الكهرباء والإنترنت.

* لا يملكون وسائل دراسة كافية.

* يدرسون في مدارس تعاني من ضعف الإمكانات.

* أوضاعهم العامة غير مستقرة بشكل مرضٍ.

الفرق بين هاتين الفئتين لا يتوقف عند العلامات أو الشهادات، بل يمتد إلى القدرة على التفكير، والعمل، وبناء المستقبل.

رأس المال المعرفي… الثروة التي تتآكل

نحن لا نشهد مجرد أزمة تعليم، بل بداية تفكك لما يمكن تسميته بـ”رأس المال المعرفي” للمجتمع، أي القدرة الجماعية على الفهم، والتحليل، والإنتاج، والمشاركة في عالم يحكمه اقتصاد المعرفة.

لقد كان التعليم في لبنان، رغم كل عيوبه، يشكّل تاريخيًا أحد أهم عناصر التوازن الاجتماعي. وكان يتيح، ولو جزئيًا، إمكان الصعود الاجتماعي، ويمنح شرائح واسعة فرصة الانخراط في الاقتصاد الحديث. أما اليوم، فإن هذا الدور يتآكل بسرعة.

اقتصاد المعرفة… معيار قوة الدول

إن الاعتماد على ما يُسمّى بـ”اقتصاد المعرفة” يعني أن قيمة أي بلد تُقاس بقدرة شبابه على التعلم، والابتكار، والتطور. وإذا خسرنا هذه القدرة، نخسر مكاننا في العالم، بغض النظر عن أي شيء آخر.

المقلق أكثر أن هذه الفجوة تكبر مع الوقت. فمن يحصل على تعليم جيد، غالبًا ما يغادر لبنان بحثًا عن فرص أفضل، ومن لا يحصل عليه يبقى، لكن بفرص أقل. وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة خطيرة: من يستطيع الإنجاز والبناء يهاجر، ومن يبقى لا يملك الأدوات الكافية.

جيل قادر… لكن الفرصة تُسلب منه

هذا لا يعني أن الجيل الحالي ضعيف أو غير قادر. على العكس، هو جيل واجه ظروفًا صعبة جدًا. لكن المشكلة أن هذه الظروف لا تعطيه الفرصة الكاملة ليُظهر قدراته.

وإذا استمر الوضع كما هو، فقد نجد أنفسنا خلال سنوات أمام:

* تراجع في نوعية الوظائف.

* ضعف في مؤسسات الدولة.

* اقتصاد أقل قدرة على النهوض.

ما الذي يمكن فعله؟

لكن هذا المسار ليس حتميًا. فلا يزال هناك ما يمكن فعله، حتى بإمكانات محدودة.

بعض الخطوات البسيطة يمكن أن تُحدث فرقًا:

* دعم التعليم الرسمي بشكل جدي، ولو تدريجيًا.

* توفير الإنترنت والأجهزة للطلاب الأكثر حاجة.

* تشجيع المبادرات التعليمية المجانية أو منخفضة الكلفة، على غرار منصة طبشورة المجانية.

* دعم المعلمين لتحسين أدائهم واستقرارهم.

وبموازاة كل ذلك، العمل على تجديد المناهج وتطويرها، وجعلها متناسبة مع حاجات لبنان للنهوض وللمنافسة على المستوى العالمي.

والأهم من كل ذلك، تغيير النظرة إلى التعليم. فلا يجب أن يكون الهدف فقط “النجاح” أو “الحصول على شهادة”، بل بناء مهارات حقيقية تساعد الشباب على مواجهة الحياة.

الخطر الصامت الذي يهدد لبنان

ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مفصلية. إما أن ننتبه إلى خطورة ما يحدث ونتحرك، أو نترك الأمور تسير وحدها، فنكتشف بعد سنوات أننا خسرنا أهم ما نملك: عقول شبابنا.

المشكلة صامتة، لكنها عميقة. والسؤال ليس إن كانت ستؤثر علينا، بل إلى أي مدى سنسمح لها بذلك.

السابق
ترامب: إيران طلبت اجتماعاً وسيعقد غداً في الدوحة