مآزق «البروباغندا» وفاتورة اللحم الحي: لـماذا يجب على طهران شكر لبنان وليس العكس؟

ايران
إن تصوير طهران في لافتات طريق المطار على أنها الطرف "الوفي" الصانع للسلام، هو قلب مبرمج للحقائق، ومحاولة للتعمية على حقيقة أن تضحيات اللبنانيين هي التي صنعت القوة للدبلوماسي الإيراني، وليس العكس.

في وقت تشخص فيه الأنظار نحو العاصمة الأميركية واشنطن التي تشهد اليوم انطلاق الجولة المصيرية للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية لانتزاع السيادة وتثبيت الهدنة الشاملة، استفاقت العاصمة بيروت على مشهد سياسي وإعلامي فجّر عاصفة من السجال والجدل الوجودي، حيث غصّ الأوتوستراد الدولي المؤدي إلى مطار رفيق الحريري الدولي بلافتات ضخمة حملت عبارة “شكراً إيران الوفية”، مُذيلة بصور المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي.

وجاءت هذه الحملة الدعائية (البروباغندا) الممنهجة التي قادها حزب الله، كمحاولة صريحة للاستثمار السياسي في نتائج التفاهمات الإقليمية ومفاوضات منتجع “بورجنشتوك” السويسري، مصورةً طهران في موقع “المنقذ” الذي اشترط وقف إطلاق النار في لبنان لبدء بازار الـ 60 يوماً مع إدارة دونالد ترامب. غير أن هذا التوظيف لم يمر بسلاسة هذه المرة، بل اصطدم بجدار قراءة نقدية حادة وسيل من الأسئلة المشروعة داخل الشارع اللبناني عموماً، والبيئة الشيعية الخاضعة لثقل الحرب خصوصاً، حول “الفاتورة الحقيقية” ومن يدفع ثمنها من لحمه الحي، وأرضه، ومستقبل أطفاله.

اعتراف قاليباف الفاضح.. لبنان “درع الردع” عن طهران

لم تعد فرضية تحويل الساحة اللبنانية إلى خط دفاع أمامي عن الأمن القومي الإيراني مجرد اتهام، بل جاء الاعتراف الرسمي الصاعق والمباشر هذه المرة على لسان رئيس البرلمان الإيراني والـمفاوض الأبرز في سويسرا، محمد باقر قاليباف، ليضع النقاط على الحروف ويفجر أزمة ثقة غير مسبوقة.

قاليباف، وفي معرض رده على التيارات الداخلية الإيرانية التي رفعت تاريخياً شعار “لا غزة ولا لبنان”، أدلى ببيانات رقمية وإحصائية عكست الذروة في البراغماتية والتوظيف السياسي، حيث قال علناً:

“إن الذين كانوا يقولون ‘لا غزة ولا لبنان’، فليعلموا اليوم أن لبنان قدّم أكثر من 4 آلاف شهيد في سبيل إيران؛ أي أكثر من عدد شهدائنا في حربنا (المواجهة الأخيرة مع واشنطن وتل أبيب) بأكملها. هم قاتلوا وصمدوا 104 أيام، بينما قاتلنا نحن 38 يوماً فقط. ولذلك فإن الاتفاق المبرم في سويسرا هو ثمرة تضحيات المقاتلين اللبنانيين والدبلوماسية الإيرانية المقتدرة لصون سيادة لبنان”.

هذا التوصيف اللوجستي الذي يسرد بالأرقام كيف تقاسم الطرفان كلفة الصراع، أحدث صدمة إستراتيجية في بيروت. فالحديث عن تقديم اللبنانيين لآلاف الضحايا “في سبيل إيران” يحول التضحيات والدماء الكثيفة التي سُفكت في قناريت، والنبطية، والبقاع، والضاحية الجنوبية من قضية دفاع عن سيادة الوطن، إلى مجرد بنزين بشري غُذيت به محركات الدبلوماسية الإيرانية المقتدرة لانتزاع مكاسب تخص الإفراج عن الأصول المجمّدة وإصدار تراخيص بيع النفط ورفع العقوبات.

جبهة الإسناد.. من دفع الفاتورة الحقيقية؟

إن المراجعة الباردة للمسار الذي سلكته الأحداث منذ تفجر جبهة الإسناد وصولاً إلى النزاع الخشن في شباط الفائت، تُثبت أن لبنان والشيعة اللبنانيين تحديداً كانوا هم وقود المعركة والدرع البشري الأكبر في هذه المواجهة الإقليمية الشاملة.

فعندما فُتحت جبهة الجنوب تحت عنوان إسناد الساحات، وثم تحولت إلى مواجهة مباشرة وانتقامية عقب الاغتيالات الكبرى التي طالت حزب الله، كانت الحسابات الإيرانية تدير رقعة الشطرنج بذكاء يحمي العمق الجغرافي لطهران، والنتيجة الرقمية والواقعية على الأرض تكشف فداحة الفارق في التكاليف:

  • على مستوى الخسائر البشرية: في الوقت الذي حافظت فيه إيران على بنيتها البشرية والمدنية بفضل قصر مدة مواجهتها (38 يوماً)؛ دفع لبنان ضريبة قاسية تجاوزت 4000 شهيد من خيرة شبابه ومقاتليه، فضلاً عن آلاف الجرحى والمعوقين جراء الغارات والتوغلات البرية للاحتلال.
  • على مستوى الدمار والبنية التحتية: تحولت قرى وبلدات كاملة في الحافة الأمامية للجنوب (مثل دبين وبلاط ومجدل سلم وخربة سلم) إلى ركام ممسوح بالكامل، وجرى تهجير مئات الآلاف من العائلات الشيعية واللبنانية التي افتقدت للبدائل السكنية الآمنة وعاشت مرارة النزوح، بينما ظلت المدن والمصانع والمنشآت النفطية الإيرانية آمنة وتعمل بكامل طاقتها.

على ماذا نشكر إيران إذن؟ سؤال الهوية والسيادة

أمام هذا المشهد المفارِق، يبرز السؤال الساخر والمرير الذي يتردد في صالونات بيروت السياسية والشعبية: على ماذا نشكر إيران إذن؟

هل يشكر اللبنانيون طهران لأنها وظفت دماء أبنائهم لتقوية أوراق تفاوض وفد قاليباف وعراقجي في منتجع بورجنشتوك السويسري؟ أم يشكرونها لأنها ربطت إعادة فتح مضيق هرمز وممرات الملاحة الدولية بالحصول على إعفاءات النفط الأميركية، متخذة من تدمير الضاحية الجنوبية لبيروت مبرراً لرفع عقوباتها المالية؟

المنطق السياسي السليم، والقراءة الجيوسياسية المنصفة تؤكد أن إيران هي التي يجب أن تتوجه بآيات الشكر والامتنان للبنان واللبنانيين وللطائفة الشيعية تحديداً، فهذه الطائفة وهذا البلد هما من حملا على أكتافهما مشروع “الردع الإقليمي” لطهران، وهما من استقبلا في صدورهما ومنازلهما قنابل الـ 2000 باوند الأميركية الإسرائيلية ليبقى نظام طهران قادراً على الجلوس بـ “هيبة سياسية” أمام نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والوسطاء القطريين والباكستانيين في جنيف.

إن تصوير طهران في لافتات طريق المطار على أنها الطرف “الوفي” الصانع للسلام، هو قلب مبرمج للحقائق، ومحاولة للتعمية على حقيقة أن تضحيات اللبنانيين هي التي صنعت القوة للدبلوماسي الإيراني، وليس العكس.

التناقض الصارخ مع المسار السيادي للرئيس عون

تأتي خطورة هذه البروباغندا الإيرانية في بيروت كونها تتعارض مباشرة مع التوجهات الرسمية للدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس جوزيف عون وحكومته والوفد العسكري والسياسي الذي بدأ لقاءاته اليوم في واشنطن.

فبينما يسعى الرئيس عون لفرض منطق “السيادة أولاً”، والتأكيد على أن قرار السلم والحرب والقرار الأمني يجب أن يكون حصرًا بيد المؤسسات الدستورية والشرعية اللبنانية، تأتي لافتات طريق المطار ومواقف قاليباف لترسخ في أذهان المجتمع الدولي فكرة “الوصاية الإقليمية التامة”، وتوحي بأن قرار الساحة اللبنانية يُصنع في طهران ويُباع ويُشترى في بورجنشتوك السويسرية، وهو الأمر الذي يعقد مهمة الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن، والذي يصر على تطبيق إستراتيجية “المناطق التجريبية” ونشر الجيش اللبناني وحده كقوة مسلحة شرعية على كامل التراب الجنوبي، بعيداً عن معادلة “وحدة الساحات السياسية” التي دمرت البلاد.

من صراع الجبابرة إلى منطق الدولة

في الـمحصلة، يمكن القول إن لافتات “شكراً إيران” لم تعد تنطلي على الشارع اللبناني الذي أرهقته الحروب بالوكالة. إن لبنان الذي دفع الأثمان الباهظة من أجساد أطفاله وبنيته التحتية، لم يعد يحتمل أن يبقى مجرد “بطاقة مقايضة” (Card) على طاولات الكبار، ولقد أثبتت هذه الجولة العنيفة من الصراع أن الرهان على القوى الإقليمية لحماية الأوطان هو وهم يتبدد عند أول منعطف للمصالح الحيوية للدول الكبرى.

إن المخرج الوحيد لإنقاذ ما تبقى من النسيج المجتمعي اللبناني، وحماية الطائفة الشيعية من نزيف الاندماج الكامل في مشاريع عابرة للحدود، يكمن في الالتفاف حول الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية الشرعية، فالدبلوماسية المستقلة النابعة من المصلحة الوطنية اللبنانية، والمدعومة بانتشار الجيش اللبناني وحده لحماية الحدود، هي الكفيلة وحدها بانتزاع حقوق لبنان والبدء بورشة إعادة الإعمار وإعادة النازحين إلى بيوتهم، بعيداً عن أوهام الوصاية وبازارات الألب التي تقتات على دماء اللبنانيين وتمنح الأرباح لطهران.

السابق
ماكرون لعون: اتصالات أوروبية لإبقاء حضور دولي في الجنوب بعد «اليونيفيل»