على الرغم من الأجواء التفاؤلية التي أشاعها التوقيع الرسمي المبرم مساء أمس الأربعاء بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان على “مذكرة التفاهم” التاريخية، والتي نصت صراحة على «وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، إلا أن المشهد على الأرض في جنوب لبنان لا يزال يكتنفه الغموض والدم والتباين الصارخ بين الحبر السياسي المكتوب ولغة النار المشتعلة.
مسيّرات الاختراقات الإسرائيلية تحصد الأرواح جنوباً
ميدانياً، واصلت الطائرات المسيرة والمدفعية الإسرائيلية غاراتها واستشراستها في استهداف البلدات الجنوبية؛ حيث أفادت التقارير الرسمية بسقوط 3 شهداء بغارات إسرائيلية متفرقة اليوم الخميس.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بأن غارة من طائرة مسيّرة استهدفت سيارة مدنية في بلدة كفرتبنيت، مما أسفر عن استشهاد شخصين؛ أحدهما مغترب عاد مؤخراً من دولة الغابون، والآخر “بطل عالمي في بطولات الدراجات وحائز على ميداليات عالمية”، كانا قد دخلا البلدة لتفقد منازلهم وأرزاقهم المهددة. وفي خرق متصل، قتل شاب في بلدة زبدين فجراً إثر غارة استهدفته بشكل مباشر.
في المقابل، اعترف الجيش الإسرائيلي بمقتل أحد جنوده وإصابة 7 آخرين بجروح متفاوتة “أثناء القتال” في مواجهات وتطهير جيوب بجنوب لبنان، في حين رصد المراقبون تراجعاً نسبياً في وتيرة العمليات العسكرية منذ الإعلان الأولي عن التفاهم يوم الاثنين الماضي دون أن تتوقف كلياً، وسط غياب تام لأي إعلانات رسمية من قِبل حزب الله عن هجمات جديدة ضد المواقع الإسرائيلية.
تعنت تل أبيب.. رفض التفاهم والتمسك بالمنطقة الأمنية
سياسياً، تلوح في الأفق بوادر صدام دبلوماسي كبير؛ إذ نقل موقع “أكسيوس” الأميركي عن مستشار لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأكيده الصريح بأن إسرائيل «لا تعتبر نفسها ملزمة بالبند المتعلق بلبنان ضمن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية».
وتزامناً مع هذا الموقف، أكد الجيش الإسرائيلي مواصلة عملياته البرية وعمد إلى نشر خريطة لما أسماها “المنطقة الأمنية” العازلة التي تمتد بعمق حوالي 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية (وتغطي قرابة 6% من مساحة البلاد)، معلناً أن قواته منتشرة فيها “لإزالة التهديدات وحماية الشمال”. وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن القيادة العسكرية طالبت المستوى السياسي بالإصرار على تفكيك سلاح المقاومة جنوب الليطاني، والاحتفاظ بحرية العمل العسكري المطلق في مختلف الأجواء اللبنانية، فيما كشف مسؤول إسرائيلي كبير لرويترز أن تل أبيب تخوض “مفاوضات صعبة” مع واشنطن لشرعنة بقاء قواتها في الجنوب اللبناني.
من جهة أخرى، وفي إطار التموضع الدفاعي، نقلت صحيفة “يسرائيل هيوم” عن مصادر عسكرية أن الجيش الإسرائيلي أصدر تعليمات لقواته بوقف التقدم نحو العمق والتحصن داخل المباني والخنادق مؤقتاً للحد من مخاطر التعرض لضربات استنزافية خلال فترة الترقب الراهنة.
سياق الحرب وفاتورة الدم الكارثية
تأتي هذه التطورات المأساوية لتعمق جراح الساحة اللبنانية التي انزلقت إلى أتون هذه الحرب الشاملة في أعقاب الضربات الأميركية الإسرائيلية الافتتاحية على إيران في 28 فبراير الماضي والتي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وما تلاها من رد صارخي من حزب الله وتوغل بري إسرائيلي واسع بدأ في 2 مارس 2026.
وقد أسفرت هذه الحرب، وفقاً لأحدث بيانات وزارة الصحة اللبنانية، عن فاتورة بشرية مفجعة تخطت 3800 شهيد لبناني، فضلاً عن تشريد ونزوح أكثر من 1.4 مليون مواطن، في حين سُجل في الجانب الإسرائيلي مقتل 31 جندياً ومتعاقداً مدنياً واحداً.
وتضع هذه المعطيات الدامية الاجتماعات التحضيرية الرسمية التي عُقدت اليوم في قصر بعبدا برئاسة الرئيس جوزاف عون وحضور الوفد المفاوض المتوجه إلى واشنطن (المقررة لقاءاته أيام 23 و24 و25 حزيران الجاري) أمام تحدٍّ مصيري؛ حيث يصر الجانب اللبناني على أن أي اتفاق لا يتضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط إلى الحدود الدولية وعودة النازحين، سيبقى بمثابة شرعنة مبطنة للاحتلال واستمرار لاستنزاف الدم اللبناني على مذبح التوازنات الإقليمية.

