لم يعد سؤال الحرب في لبنان محصورًا في ساحته العسكرية، بل تمدّد ليطال معنى “المقاومة” وحدود الدولة ودور السلاح في الحياة السياسية اللبنانية. وبينما تتواصل تداعيات الحرب على مناطق واسعة في الجنوب والبقاع والضاحية، تتكشف في المقابل انقسامات داخل البيئة الشيعية نفسها حول الموقف من الحرب وكلفتها ومسؤولياتها. وإلى جانب الصوت السياسي العلني، تظهر سرديات أخرى أقل حضورًا في الإعلام، تعارض الحرب أو تتردد في تأييدها أو في التعبير عن موقفها. بين هذه المسارات، يطرح الواقع سؤالًا أوسع: كيف يفهم الشيعة الذين لا يظهرون على الشاشات علاقتهم بالحرب وبالقرار السياسي الذي رافقها؟
بيت مهدّم بالكامل
لم تكن تعلم رشا شريف هاشم، وهي مصممة غرافيك تبلغ من العمر 35 عامًا وتنحدر من بلدة شمع في قضاء الناقورة، أن حياتها ستتغير إلى الأبد بعد دخول حزب الله في حرب السابع من أكتوبر 2023 إسناداً لغزة. وتروي بلهجة يغلب عليها الإرهاق والغضب قصة خساراتها في حربٍ ممتدة منذ سنوات، فقد دُمّر منزلها المؤلف من طابقين، وخسرت محالاً كانت تؤجرها، فيما تعرض فندق ومنتزه العامرية لبعض الأضرار وتوقفت أعماله، وهو استثمار تملكه عائلتها في جنوب لبنان، لتجد نفسها أمام ما تصفه بـ”حفلة جنون” كبدتها خسائر مالية باهظة.
لا تتوقف قصتها هنا. تقول رشا في حديثها لـ”جنوبية”: “أصبت باشمئزاز من الوضع المأساوي الذي اصابني، خسرت منزلي، ووالديّ متوفيان، وكان المنزل كل ما بقي من رائحتهما”، وتضيف: “أشعر أنني دفنت أهلي من جديد حين رأيت منزلي مهدمًا، وأصابني الإحباط وفقدت طاقتي على السعي نحو التغيير في البلد.”
يقدّم برجي تعريفه لمفهوم “المقاومة” بوصفه دفاعًا عن الأرض في مواجهة الاحتلال ضمن إطار الدولة ومؤسساتها، قائلاً: “المقاومة هي مواجهة معتدٍ على أرض الوطن ومقارعة احتلال إذا احتاج الجيش والدولة هذا الأمر”.
وتشير إلى أن منزلها تعرّض للقصف بسبب وجود ثلاثة عناصر من حزب الله داخله، قبل أن تضيف في عبارة تختصر التداخل بين حسها الإنساني والخسارة الشخصية: “الله يرحمهم.”
أما المهندس الجنوبي محمد برجي، 35 عامًا، فيستعيد تفاصيل الأشهر الماضية بوصفها نقطة تحوّل قاسية في حياته. فالحرب، كما يقول، لم تترك له مجرد خسارة مادية، بل سلبته شعور الاستقرار الذي بناه على مدى سنوات. فقد دُمّر منزله، في مدينة صور، لتجد العائلة نفسها أمام واقع جديد يهدد قدرتها على العودة إلى الجنوب.
ويقول برجي: “خسرنا منزلنا المؤلف من ثلاثة طوابق، بقيمة تقارب 300 ألف دولار، وهذا ما قلب حياتنا رأساً على عقب”، ويتابع حديثه لـ”جنوبية” بالقول: “نحن اليوم مهددون بعدم العودة إلى جنوبنا،مع ما استتبع ذلك من توتر وقلق دائمين في حياتنا اليومية.”
شهادة مختلفة يقدمها علي، وهو شاب جنوبي في الثلاثين من عمره، فضّل عدم الكشف عن اسم عائلته خشية التعرض لضغوط اجتماعية، رغم تأكيده أنه مؤيد للمقاومة. ويقول في حديثه لـ”جنوبية” إن كل محاولاته اليوم تصب في اتجاه واحد: “أحمل حالي وفل من هالبلد”. ويضيف: “الحرب أثرت على كل حياتي، على مختلف الأصعدة. ما بقى فيك تخطط للمستقبل، وصرنا عايشين يوم بيوم”.






فندق ومنتزه العامرية والدمار الذي لحقه
ماذا عن قرار الحرب الأول؟
دخول حزب الله في حربي الإسناد شرّع البلد أمام نقاشات لا نهاية لها، مهددًا بذلك وجودية الكيان القائم على العيش المشترك. وتوالت التساؤلات في السياسة والاجتماع، سواء في ما يخص علاقات الطوائف بعضها ببعض وما يُصطلح عليه بالعقد الاجتماعي، أو داخل الطائفة الشيعية نفسها بين موالين ومعارضين، بكبارها وصغارها، برجالها ونسائها، وناسها ونخبها. نقاشات ترافقت مع سلسلة أحداث هددت الأمن القومي اللبناني بانفجار اجتماعي وشيك.
في هذا الصدد، يذهب محمد برجي إلى مراجعة القرار الذي قاد إلى الحرب، معتبرًا أن “حرب إسناد غزة كانت قرارًا خاطئًا جاء من الولي الفقيه، فيما جاء قرار إسناد إيران من الحرس الثوري”. ويضيف أن هذا القرار “كان متهورًا ولا يخدم مصلحة لبنان عامة ولا مصالح الجنوبيين خاصة، بعدما خسروا كل شيء، بدءًا بالأرواح وليس انتهاءً بالأرض والممتلكات”.
يقول برجي: “خسرنا منزلنا المؤلف من ثلاثة طوابق، بقيمة تقارب 300 ألف دولار، وهذا ما قلب حياتنا رأساً على عقب”، ويتابع حديثه لـ”جنوبية” بالقول: “نحن اليوم مهددون بعدم العودة إلى جنوبنا،مع ما استتبع ذلك من توتر وقلق دائمين في حياتنا اليومية.”
أما عن جدوى التضحيات التي تكبدها أبناء الجنوب خصوصًا والشيعة عمومًا، فيصفها بأنها “عبثية”، موضحًا بتعابير حادة أن “الجنوب كان محررًا أصلاً ولم تكن هناك أراضٍ محتلة، وأي حديث عن حرب استباقية ليس سوى تبرير سخيف يُقدَّم للعوام من الناس”.
لعلي مقاربة مختلفة، فهو يقول إنه لا يحب “التنظير”، ويفضل الحكم على الوقائع من خلال نتائجها. ويضيف: “العبرة بالنتائج. إذا أنتجت الحرب وقفًا لإطلاق النار، ومنعت حرية حركة الإسرائيلي، وأدت إلى خروج جيش العدو من الجنوب، عندها تكون التضحيات ضرورية”.
ويرى علي أن قرار الدخول في حرب إسناد غزة في السابع من أكتوبر كان خاطئًا، لكن ليس لأنه يرفض الحرب، بل لأنه جاء، بحسب رأيه، بصورة جزئية ولم يخضها “محور الممانعة” الذي يؤيده، بكل ثقله وعلى امتداد جميع الساحات.
أما اليوم، وبعد مرور قرابة ثلاث سنوات، فيعتبر أن هذا القرار يمكن إعادة مناقشته في ضوء التطورات اللاحقة، انطلاقًا من قناعته بأن إسرائيل “كيان استيطاني يسعى إلى اقتلاع الناس من أرضهم”، وأنها كانت تتحضر مسبقًا لحرب على لبنان. ويقول: “نتنياهو يصف الحرب بالوجودية، أما قيادات محور الممانعة فلم تنتبه منذ البداية إلى أنها حرب وجودية، لذلك تشرذموا وتم الاستفراد بهم واحدًا تلو الآخر، ووصلنا إلى ما نحن عليه اليوم”.
رشا هاشم، خسرت محالاً كانت تؤجرها، فيما تعرض فندق ومنتزه العامرية لبعض الأضرار وتوقفت أعماله، وهو استثمار تملكه عائلتها في جنوب لبنان، لتجد نفسها أمام ما تصفه بـ”حفلة جنون” كبدتها خسائر مالية باهظة.
أين تبدأ وأين تنتهي المقاومة؟
في لبنان، لا يبدو تعريف المقاومة مسألة متفق عليها، بل سؤال مفتوح على جدل لا ينتهي: أين تبدأ وأين تنتهي المقاومة؟ يتجاوز هذا السؤال حدود السياسة ليطال موقع السلاح ودور الدولة وحدود الفعل العسكري وموقع لبنان في القضية الفلسطينية، ويضع اللبنانيين أمام تباين حاد في قراءة تجربة المقاومة التي تشكّلت تاريخيًا في سياق مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن تتداخل لاحقًا مع أدوار إقليمية ونقاشات داخلية حول الدولة والسلاح، ما جعل من المقاومة موضوعًا مستمرًا للنقاش والانقسام منذ عقود.
في هذا السياق، يقدّم برجي تعريفه لمفهوم “المقاومة” بوصفه دفاعًا عن الأرض في مواجهة الاحتلال ضمن إطار الدولة ومؤسساتها، قائلاً: “المقاومة هي مواجهة معتدٍ على أرض الوطن ومقارعة احتلال إذا احتاج الجيش والدولة هذا الأمر”.
ويضع فاصلاً واضحًا بين هذا المفهوم وبين ما يعتبره مشاريع خارج إطار الدولة، موضحًا أن أي عمل مسلح، “وخاصة إذا كان تابعًا أيديولوجيًا لما يسمى ولاية الفقيه، أو تابعًا لأي دولة خارجية، لا يُعد مقاومة”.
وعند سؤاله عن الفصل بين المقاومة كفكرة وتأييد حزب الله كقوة سياسية، يرفض برجي هذا التمييز بشكل كامل، قائلاً: “إذا كان الشخص يعرف طبيعة الحزب ومشروعه العقائدي والسياسي وما هو جوهر وجوده، فلا يمكن الفصل بينهما في الوقت الراهن”.
ولرشا شريف هاشم أيضًا رأيها في المسألة، إذ ترى أن الفصل بين حزب الله والمقاومة ينطوي على تناقض يصعب تبريره. وتضيف أن المقاتلين الذين يواجهون إسرائيل على الحدود اليوم “هم أنفسهم من حملوا السلاح في الداخل اللبناني، وهم أنفسهم من قاتلوا في سوريا وغيرها من الساحات”، معتبرة أن التعامل مع هذه الوقائع بمعايير مختلفة يفتقد إلى المنطق.
وتشير إلى أن كثيرين من أصدقائها انتقدوا تدخل الحزب في الحرب السورية، ورفض آخرون أحداث السابع من أيار، لكنهم يؤيدون اليوم دوره في مواجهة إسرائيل. وترى أن هذا الموقف “يعكس خللاً في المنطق”، لافتة إلى أن شريحة واسعة تؤيد أي جهة تقاتل إسرائيل بغض النظر عن هويتها، قبل أن تتساءل: “إذا حارب نظام الرئيس السوري أحمد الشرع إسرائيل، فهل سيؤيدونه شيعة الثنائي أيضًا، أم سيقولون: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين؟”.
بحسب تحليلها للمسألة، ترى رشا أن الطائفة الشيعية متمسكة بمفهوم المقاومة، انطلاقًا من قناعة بأنها أعادت لها مجدًا تاريخيًا بعد مرحلة تعتبرها مجحفة بحقها. وتؤكد أن خطاب مؤيدي حزب الله صحيح في جزء منه، لأن إسرائيل، بحسب تعبيرها، “مجرمة”.
لكنها ترى في المقابل أن هذا الخطاب يفتقر إلى المنطق في جوانب أخرى، بالنظر إلى استخدام الحزب لسلاحه في أكثر من جبهة. وتقول إن هذا التناقض يضعها في حالة من الحيرة، مضيفة: “خلص ضاعت الطاسة والأمور ملخبطة، فايتة ببعضها”، معتبرة أن الأفضل في هذه المرحلة هو التزام الصمت وتجنّب النقاشات التي باتت، برأيها، عقيمة.
لكنها تلفت إلى التالي: “أنا مع المقاومة حين تدافع عن أرضنا في حال حركشت إسرائيل بلبنان. حاليًا لست مع المقاومة، فما يحصل اليوم هو حرب إسناد غزة وحرب إسناد إيران، ولست أنا من قلت ذلك، بل حزب الله قاله علنًا ولا يخجل بذلك. وكنت أتمنى لو كان الجيش اللبناني قادرًا على ردّ إسرائيل، لكن للأسف لا يمكنه ذلك”.
دُمّر منزلها المؤلف من طابقين، وخسرت محالاً كانت تؤجرها، فيما تعرض فندق ومنتزه العامرية لبعض الأضرار وتوقفت أعماله، وهو استثمار تملكه عائلتها في جنوب لبنان، لتجد نفسها أمام ما تصفه بـ”حفلة جنون” كبدتها خسائر مالية باهظة.
تبعية تتحمّل المسؤولية
ارتبطت تجربة الثنائي الشيعي في الحياة السياسية اللبنانية خلال العقود الثلاثة الماضية بشعارات المقاومة والتحالف مع إيران ونصرة فلسطين ومواجهة إسرائيل ومناهضة ما يُوصف بـ”الإمبريالية الأميركية” و”الشيطان الأكبر”. وقد شكّلت هذه الشعارات جزءًا أساسيًا من خطاب الحزب السياسي وحضوره في المشهد العام. ومع اندلاع الحرب، برزت تداعيات كبيرة طالت مناطق واسعة في الجنوب والبقاع والضاحية، ما فتح نقاشًا داخليًا حول المسؤولية السياسية والاجتماعية لهذه النتائج.
وانقسمت الآراء في هذا السياق بين من يرى أن الناخبين الشيعة يتحملون جزءًا من المسؤولية نتيجة خياراتهم المتكررة في صناديق الاقتراع، وبين من يعتبر أن تحميل الناس تبعات القرارات السياسية يبقى أمرًا إشكاليًا ولا يمكن تبسيطه بهذه الطريقة.
وفي ما يتعلق بمسؤولية البيئة الحاضنة للمقاومة، يرى برجي أن أبناء المناطق المتضررة في الجنوب والبقاع والضاحية يتحملون بشكل غير مباشر تبعات القرار، بسبب ما يصفه بـ”التبعية لقرار صاحب الحرب”.
لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى وجود أصوات داخل هذه البيئة تعارض الحرب أو ترفض استمرارها، حتى وإن كانت تؤيد فكرة المقاومة، قائلاً: “هناك جزء لا يستهان به داخل الطائفة الشيعية رافض للحرب، حتى لو كان مؤيدًا لما يسمى المقاومة، لكن أدوات الضغط قائمة، لمنع تبلور خطاب مناهض للحرب، من حملات التخوين إلى المقاطعة الاجتماعية وقطع الأرزاق، وصولاً إلى التهديد بالإيذاء الجسدي”.
وعند سؤاله عمّا إذا كان الشيعة قد شاركوا فعلاً في قرار الحرب، يقدّم علي إجابة مركّبة، قائلاً: “نعم ولا. نعم لأنهم انتخبوا القيادة السياسية، لكن لا يمكن تحميل الناس مسؤولية خياراتهم السياسية بالدم والموت”.
أما رشا، فتأسف لانتشار سرديات تعتبر أنها ترسخت في الوعي الجمعي الشيعي، من بينها الحديث عن ترحيل الشيعة إلى العراق، وحماية مقام السيدة زينب، وأن طريق القدس يمر من حمص والقصير والزبداني.
فهل يمكن الحديث عن موقف شيعي موحّد من الحرب، أم أن الواقع أكثر تنوّعًا مما تعكسه الصورة السياسية والإعلامية؟ ترى رشا هاشم أن داخل الاجتماع الشيعي أكثر من مقاربة للموقف من الحرب؛ فهناك من يعارضها لكنه يخشى التعبير عن رأيه علنًا، ويكتفي بنقاشات داخل نطاق ضيق. وهناك من يعارض الحرب، لكنه يرى أن الوقت غير مناسب لطرح هذا النقاش في ظل استمرارها. في المقابل، هناك من يؤيد حزب الله وحربه رغم كل الخسائر التي تكبدها على الصعيد الشخصي.
وتعلّق: “أخشى أن لا يستيقظ الشيعة وحزب الله إلا بعد خسارتهم كل شيء”، مضيفة في رسالة مباشرة إلى الشيعة: “أحبوا لبنان، لبنان أغلى من إيران”.
ارتبطت تجربة الثنائي الشيعي في الحياة السياسية اللبنانية خلال العقود الثلاثة الماضية بشعارات المقاومة والتحالف مع إيران ونصرة فلسطين ومواجهة إسرائيل ومناهضة ما يُوصف بـ”الإمبريالية الأميركية” و”الشيطان الأكبر”.
تعليق المشاركة في الحياة السياسية
تحوّل لبنان من “سويسرا الشرق” إلى بلد مهدد في وجوده، في ظل ما يعيشه من أزمات اقتصادية واجتماعية وتراجع في فرص العيش، ومع ارتفاع نسب الهجرة والبطالة، ما عمّق حالة من اليأس لدى شريحة واسعة من أبنائه، حيث تتردد في الأحاديث اليومية عبارة: “لبنان لن يصبح دولة طبيعية في أي وقت”.
يتجلى هذا اليأس في موقف محمد برجي من القيادة السياسية الشيعية، إذ يقول إنه لم يعد يثق بها، معتبرًا أن قرارها “مرهون بيد إيران”، على حد تعبيره، فيما يحمّل المنظومة السياسية اللبنانية برمتها مسؤولية أوسع تتراوح بين “العجز والتواطؤ”.
ويقول برجي: “لن أشارك في أي انتخابات في ظل عدم وجود دولة حقيقية، وهذه الانتخابات شكلية، خاصة في مناطق نفوذ الثنائي الشيعي، حيث لا يستطيع أي خصم التحرك بشكل فعلي أو القيام بحملة انتخابية، إذ يتعرض بداية للتخوين وصولاً إلى الاعتداء الجسدي”.
بدوره، يدعو علي إلى إعادة تقييم شاملة للخطاب السياسي وللخيارات التي تبنتها القيادات الشيعية خلال العقود الماضية، معتبرًا أن حجم الطائفة وإمكاناتها لا يسمحان لها بتحمل أعباء قضايا تتجاوز حدودها. ويقول: “لا يمكننا أن نحمل قضايا الأمة لوحدنا، ولا نستطيع اتخاذ قرارات أكبر بكثير من حجم الطائفة الشيعية”.
لا يقتصر هذا الالتباس على تعريف المقاومة وحدودها، بل ينعكس أيضًا على طبيعة النقاش حولها، حيث يتحول أي نقد في نظر كثيرين إلى اصطفاف مع إسرائيل أو تشكيك بخيار المقاومة
مقاومة بهوية ملتبسة
لا يدور الحديث هنا فقط عن الموالاة أو المعارضة للحرب وأسيادها، بل عن كيفية فهم الناس أنفسهم للعلاقة بين المقاومة والتنظيم السياسي الذي يقودها. ومن المفارقات أننا أصبحنا أمام عدة “مقاومات”. ويمكن طرح أسئلة تُوجَّه لأي مواطن لبناني موالٍ لهذا الخط السياسي، منها: هل المقاومة هي ضد إسرائيل حصرًا؟ ماذا تُصنّف دخول حزب الله إلى سوريا؟ وهل يُعتبر ذلك مقاومة حين اشترك في الدفاع عن بشار الأسد، وسال الدم السوري نتيجة هذا التدخل في بلد وشعب شقيق؟
يمكن الاستمرار على هذا المنوال من الأسئلة: هل كان حزب الله مقاومة إبان اجتياحه بيروت في السابع من أيار 2008؟ وهل تُعتبر مشاركة الحزب في الحرب اليمنية وتدخله في العراق، وإرساله خلايا إلى عدد من الدول العربية في الخليج ومصر وأوروبا وفنزويلا وغيرها، ضمن مفهوم المقاومة؟!







الفندق والمتنزّه قبل الحرب
أمام هذه المنهجية من الأسئلة، يقف أي مواطن منخرط في هذا النقاش مشدوهًا في حيرة حيال تصنيف مفهوم المقاومة في كل ساحة على حدة. وعلى اعتبار أن أحدهم يعتبر أن حزب الله مقاومة في مواجهة إسرائيل، فهل سيعتبره مقاومة في سوريا واليمن والداخل اللبناني؟ لنفترض أن هذا الشخص سيجيب بأن حزب الله مقاومة ضد إسرائيل، لكنه ليس مقاومة في سوريا واليمن والداخل اللبناني.
هنا يمكن الانتقال إلى سؤال آخر يسقط منطقه برمته: هل من المعقول اعتبار تنظيم مسلح كحزب الله مقاومة في مواجهة إسرائيل، ثم نزع هذه الصفة عنه حين يرفع سلاحه في الداخل اللبناني، ويتدخل في سوريا عسكريًا، ويمدّ أطرافه إلى عدد من الدول الإقليمية والعالمية؟!
المسألة تحمل إزدواجية من نوع القول عن شخص إنه فاسد ونزيه، أو أعزب ومتزوج، أو صادق وكاذب في الوقت نفسه. هذا السلوك السياسي لحزب الله خلق تلك الإزدواجية، مضافًا إليه تجذّر القضية الفلسطينية على ما عداها، ما يجعل هذا المواطن أو ذاك يتغاضى عن أي انتقادات أو مراجعة سياسية لمواقفه، متى ما حضرت إسرائيل إلى النقاش.
رشا هاشم: “أخشى أن لا يستيقظ الشيعة وحزب الله إلا بعد خسارتهم كل شيء”، مضيفة في رسالة مباشرة إلى الشيعة: “أحبوا لبنان، لبنان أغلى من إيران”.
ولا يقتصر هذا الالتباس على تعريف المقاومة وحدودها، بل ينعكس أيضًا على طبيعة النقاش حولها، حيث يتحول أي نقد في نظر كثيرين إلى اصطفاف مع إسرائيل أو تشكيك بخيار المقاومة.
وتعكس رشا شريف هاشم جانبًا من هذا السجال بقولها: “أحترم الرأي الآخر، لكننا وصلنا إلى منطقة مسدودة، فلا يمكن إقناع الآخرين ولا يمكن للآخرين إقناعنا بجدوى ما حصل”، لافتة إلى أن البلاد ما زالت في حالة حرب، وأن “الدم فاير”، وأن التعصب بين اللبنانيين أصبح مخيفًا تجاه كل رأي مخالف، حيث يصبح التخوين والشتم جاهزًا.
وبانفعال واضح، تختم: “ما حدا بيقدر يمنعني إحكي”، مضيفة: “فشر على كل حدا بقول إني مع إسرائيل”!

