شهدت الساعات الأخيرة تصاعداً دراماتيكياً في وتيرة الحراك الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، مع دخول التفاهمات الإقليمية مرحلة الحسم التنفيذي؛ حيث كشفت مصادر خاصة بقناتي “العربية” و”الحدث” عن ترتيبات لعقد اجتماع افتراضي طارئ “عن بُعد” اليوم الأحد، يجمع وفدي الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية لوضع اللمسات الأخيرة والتوقيع على مذكرة التفاهم الإطارية لإنهاء الحرب.
حضور رفيع ووساطة رباعية “عن بُعد”
وبحسب التسريبات الدبلوماسية، فإن مراسم التوقيع الإلكتروني ستشهد حضوراً استثنائياً ورفيع المستوى؛ إذ يمثل الجانب الأميركي نائب الرئيس، جيه دي فانس، في حين يمثل الجانب الإيراني كبير المفاوضين ورئيس مجلس الشورى (البرلمان)، محمد باقر قاليباف، بمشاركة تكنولوجية ومواكبة مباشرة من وسطاء دوليين وإقليميين من باكستان وقطر للإشراف على إتمام الصفقة الرقمية.
وتأكيداً على هذا المسار الموازي، أفادت وكالة “رويترز” بنزول طائرة مفاوضين قطريين في العاصمة طهران صباح اليوم الأحد، في إطار المساعي المكثفة لتذليل العقبات النهائية وإبرام الاتفاق، على الرغم من تأكيد مصادر مطلعة أن القرار الإيراني النهائي بشأن الصيغة التفصيلية للمذكرة لا يزال يخضع للمراجعة والتدقيق في الغرف المغلقة.
إنهاء حرب الموانئ وتطهير “مضيق هرمز”
وفي أولى المقايضات الاقتصادية والميدانية الكبرى التي يتضمنها التفاهم، أوضحت المصادر أنه فور إتمام خطوة التوقيع الإلكتروني، سيتم الإعلان رسمياً عن إعادة فتح مضيق هرمز الإستراتيجي بكامل طاقته التشغيلية، والسماح الفوري بمرور كافة سفن الشحن التجاري والناقلات الدولية دون فرض أي رسوم أو قيود أمنية، بالتزامن مع تعهد واشنطن ببدء رفع الحصار البحري والعسكري الأميركي الشامل عن الموانئ الإيرانية.
وتتقاطع هذه المعطيات مع التصريحات الحاسمة التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي جزم فيها بأن الاتفاق مع إيران يوقّع اليوم الأحد، لتتبعه مباشرة خطوة فتح المضيق، تماشياً مع السقف الزمني الذي حدده رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (دولة الوساطة الرئيسية) بإتمام الاتفاق خلال ٢٤ ساعة، على أن تنطلق المحادثات التقنية والفنية المعقدة في غضون الأسبوع المقبل لوضع آليات الرقابة.
تباينات طهران وغليان الشارع المتشدد
في المقابل، لا تزال الرواية الرسمية في طهران تتسم بالفرملة والحذر؛ إذ جدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، دعوته إلى التريث وعدم الاستعجال في تحديد الساعات، قائلاً بحسب وكالة الأنباء الرسمية “إرنا”: “علينا الانتظار لمعرفة الموعد المحدد للتوقيع.. لن يكون اليوم، بل ربما في الأيام المقبلة”.
هذا التردد الدبلوماسي يغذيه غليان سياسي في الداخل الإيراني؛ حيث أثارت بنود المسودة المسربة غضب التيار المحافظ المتشدد الذي اعتبرها “تنازلات مجانية” للإدارة الأميركية، وتُرجم هذا الرفض ميدانياً بتجمع عشرات المتظاهرين المتشددين في وقفة احتجاجية غاضبة أمام مقر وزارة الخارجية في مدينة مشهد (شمال شرق البلاد)، رددوا خلالها شعارات هجومية تتهم وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بالمساومة.
عُقد التفاوض منذ هدنة “أبريل” ومأزق جبهة لبنان
وتأتي هذه التطورات بعد مسار شائك ومفاوضات عسيرة انطلقت منذ إعلان وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة في الثامن من نيسان/ أبريل الماضي؛ حيث اصطدمت جولات التفاوض غير المباشرة بعراقيل مزمنة ترتبط بآليات ضبط البرنامج النووي الإيراني، والسيطرة الميدانية على الممرات المائية، وجدولة رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة، فضلاً عن العقدة الأكثر تعقيداً والمتمثلة في محاولات ضم الساحة اللبنانية إلى الاتفاق، في وقت يتعرض فيه حزب الله (الحليف الأبرز لطهران) لحملة عسكرية واجتياحات برية إسرائيلية مكثفة تهدف لإسقاط معاقله جنوبي نهر الليطاني وفي النبطية.
اسرائيل تحذر
وحذّر مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى، من ذوي الخبرة في التعامل مع الملف الإيراني منذ سنوات، من أن الاتفاق الذي يجري إبرامه بين الولايات المتحدة وإيران يُهدد مصالح إسرائيل الأمنية الجوهرية.
وأضافوا: “بينما يحرص مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على عدم المساس بسمعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن هذه المصادر المتخصصة تُبدي موقفاً حازماً ضد هذه الخطوة”، وفقا للقناة الإسرائيلية 12.
وأوضح المسؤولون: “لم يكتفِ الإيرانيون بالموافقة على هذا الاتفاق الإطاري، بل قبل الجانب الأميركي شروطهم الرئيسية”.
ووفقًا لهم، سيؤدي الاتفاق فورًا إلى فتح مضيق هرمز وإحياء النظام الإيراني، وهي خطوة وصفوها بأنها “صفعة في وجه الشعب الإيراني”. ولن يُنظر في القدرات النووية الإيرانية إلا في مرحلة لاحقة، في إطار سياسة “الدفع بالتقسيط”.
ويقارن المسؤولون الإطار الحالي بالاتفاق الذي أنهى الحرب في غزة، ويتساءلون عن مصير الالتزام بنزع سلاح حماس.
وتساءلوا: “ما هي ورقة الضغط الأساسية للأميركيين إذا لم يبدأ الإيرانيون، بعد 60 يومًا من وقف إطلاق النار، بالخطوات المطلوبة منهم؟” وأضافوا: “لقد تآكل التهديد العسكري الحقيقي من جذوره”.
ويواصل المسؤولون أنفسهم التحذير من أن مطلب إزالة اليورانيوم من البلاد قد استُبدل بشعارٍ مبهمٍ للتخفيف من حدة التوتر، وأن منظومة الصواريخ الإيرانية غير مشمولةٍ في الاتفاق إطلاقاً.
وقال المسؤولون: “جميع الأهداف التي حددتها إسرائيل لم تُعالَج بشكلٍ مباشرٍ في الاتفاق”.
كما يحذرون من أن الاتفاق لا يُلزم إيران بالتوقف عن دعم وكلائها في المنطقة، بل يسمح لها حتى بإعادة التواصل مع حزب الله.

