بلغ الحراك الدبلوماسي بين واشنطن وطهران ذروته الإستراتيجية، مع دخول الأطراف الدولية في “سباق أمتار أخير” لتثبيت خطوط مذكرة التفاهم المؤقتة عبر آلية “التوقيع الإلكتروني عن بُعد” والمقررة اليوم الأحد، في خطوة تهدف إلى قطع الطريق أمام أي مفاجآت ميدانية أو سياسية قد تعصف بالتقدم المحرز، في وقت لا تزال فيه أروقة القرار في تل أبيب وطهران تبدي تباينات حادة حيال تفاصيل العرض الأميركي والملفات العالقة.
كواليس “سي إن إن”: البروتوكول الأمني يلغي سفر “فانس”
وفي تفاصيل الحراك اللوجستي، كشفت شبكة “سي إن إن” الإخبارية، نقلاً عن مسؤولين مطلعين، أن التوجه المفاجئ نحو اعتماد آلية “التوقيع الرقمي” للمذكرة جاء كإجراء حمائي وتكتيكي لتجنب العقبات والتعقيدات غير المتوقعة التي يخشى الوسطاء الدوليون أن تؤدي إلى تراجع أي من الطرفين عن التفاهمات القائمة.
وبحسب المصادر، فقد جرى إلغاء الخطط المسبقة التي كانت تقضي بمشاركة نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، في مراسم توقيع حضورية داخل إحدى العواصم الأوروبية ممثلاً للبيت الأبيض. وأوضحت الشبكة أن هذا الإلغاء يعود لبروتوكولات لوجستية وأمنية صارمة؛ إذ من المقرر أن يتوجه الرئيس دونالد ترامب صباح غدٍ الاثنين إلى فرنسا للمشاركة في قمة مجموعة السبع (G7)، بينما تحظر القوانين الأمنية الأميركية تواجد الرئيس ونائبه خارج البلاد في الوقت نفسه، مما جعل ضيق الوقت وصعوبة تنقل “فانس” بين القارتين يدفعان باتجاه خيار التوقيع الإلكتروني السريع اليوم الأحد، تماشياً مع توقعات رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بإنهاء الملف إطارياً بغضون ٢٤ ساعة.
طهران تفرمل التوقعات: “مذكرة” لا اتفاق.. والتوقيع قد يتأخر
على المقلب الإيراني، خيّمت أجواء من الحذر والتشكيك الإعلامي على مواعيد الحسم؛ إذ فرمل المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، التوقعات الدولية الجازمة بالتوقيع اليوم الأحد، مؤكداً عبر وكالة “فارس” أن النص المطروح يدور في فلك “مذكرة تفاهم أولية” وليس “اتفاقاً نهائياً”، وأن التوقيع الرقمي قد يُرجأ إلى الأيام القليلة المقبلة.
وشدد بقائي على أن الأولوية المطلقة لطهران تكمن في الوقف الفوري والحاسم للحرب الإقليمية، وتحديداً في لبنان. وتأتي هذه التصريحات الدبلوماسية وسط خلافات وتجاذبات حادة في الداخل الإيراني، حيث يقود التيار المتشدد حملة رفض واسعة للاتفاق، بالتزامن مع استمرار الخلاف الجوهري بين واشنطن وطهران حول الروايات المتضاربة لطبيعة وحجم الدعم المالي والمليارات المجمدة التي ستفرج عنها إدارة ترامب لصالح الخزينة الإيرانية.
“إسرائيل هيوم”: شروط ترامب لنتنياهو وعصا “تغيير النظام”
وفي تل أبيب، لا تزال الرؤية الإسرائيلية مشوبة بالغموض والترقب؛ حيث نقلت صحيفة “إسرائيل هيوم” عن مصدر دبلوماسي رفيع المستوى أن إسرائيل ستحتفظ بشكل قطعي بحقها في الدفاع عن نفسها ومواجهة أي تهديدات أمنية حتى في حال توقيع التفاهم، مع التزامها بتنسيق تحركاتها العسكرية مع واشتطن، نظراً للارتباط الوثيق بالتعهدات الأميركية تجاه قوى إقليمية أخرى.
وكشف المصدر الدبلوماسي عن كواليس اتصال هاتفي سابق، أبلغ فيه الرئيس دونالد ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن ملف إيران النووي يجب أن يُعالج بصورة “شاملة وجذرية” في المفاوضات اللاحقة، وإلا فلن يكون هناك أي اتفاق نهائي. وشدد ترامب في اتصاله على إلزامية معالجة مسببات التصعيد الثلاثة:
- تصفية البرنامج النووي الإيراني.
- حظر وتفكيك ترسانة الصواريخ الباليستية.
- إنهاء نفوذ التنظيمات المسلحة المدعومة من طهران وفي مقدمتها “حزب الله” اللبناني.
وأوضح التقرير الإسرائيلي أنه على الرغم من بقاء الملف اللبناني معلقاً ودون حسم نهائي في مسودة الصفقة، فإن تل أبيب تعتبر أن تفاهمات وقف إطلاق النار السابقة تمنح جيشها الغطاء الكامل للتحرك ومصادرة أي تهديد مرصود على الحدود. وحذر المصدر الدبلوماسي الرفيع من أن واشنطن وجهت رسالة شديدة اللهجة لطهران مفادها أن رفض معالجة هذه الملفات الأساسية خلال مفاوضات الـ 60 يوماً الفنية اللاحقة، سيعيد طرح خيار “إسقاط وتغيير النظام في إيران” كخيار وحيد ومعتمد على طاولة القرار في البيت الأبيض، وهو الملف الشائك الذي سيبحثه المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) في اجتماع استثنائي ومصيري مساء اليوم الأحد.

