من يقرأ شعر العلّامة السيّد محمّد حسن الأمين (قده) (1946- 2021 ) يجد صراعًا فنيًّا بين الأصالة المتمثلة في عدد من القصائد العموديّة شكلًا والحداثة المتمثلة في طبيعة المفرادات واللغة التي تتخطى قوالب الزمن وتصبح صالحة للقراءة في كلّ عصر وسنة وظرف.
والحقّ أنّ السيّد الأمين الذي أحبّ الشعر وكتبه، عبّر عن هويّته الشعريّة المتمثلة بمحاكاة اللغة وجعلها سهلة ممتنعة تستفز المتلقي على مستوى التذوّق من جهة وعلى مستوى تشكيل وضبط الكلمات تقعيديًّا من جهة ثانية.
عمل السيّد الأمين في حقل الشعر على كحاجٍ يحجّ إلى المعنى والمبنى، يصيغ هويّته الخاصّة التي تتقاطع مع شخصيّته الاجتماعيّة وحضوره الرصين الجادّ، فكانت القصيدة بموضوعاتها المختلفة والمتباينة انعكاس لحضور السيّد الجادّ الملتزم.
لأنّ ديوان السيّد الأمين الشعريّ غنيّ ومحركّات البحث على وسائل التواصل والصحف والمنصّات الرقميّة دائمًا عطشى إلى أبياته، اخترتُ عبر ” جنوبيّة ” أن أطلّ على القرّاء بمختارات تنشر بشكل دوريّ تكون بمثابة سقف لأبيات تقع في فن محدّد ( الرثاء، الحب، المناسبات إلخ…)، وسنبدأ بالرثاء لأنّ السيد الأمين تقدّم نحو موت أحبابه وأصدقائه والشخصيّات الملهمة له بأبيات تضجّ بالحياة والمجاز واللون المعنوي مبتعدًا عن المعياريّة والأسى والكرب الذي عرف الرثاء بسببها.
على هذا المنوال اخترنا عدد من الأبيات من قصائد مختلفة عبّر فيها السيّد محمّد حسن الأمين عن هويّته الشعريّة والاجتماعيّة والثقافيّة.
في رثاء الشاعر السيّد عبد المطلب الأمين:
تزهو وتخطر بيت الشاعرين كما
يزهو ويخطر بين الأنجم القمر
كأنّما القبر حين اخترته جسدًا
أعياه أن تطفأ الأوضاح والغرر
فرحتَ تقطر ضوءًا عبر كلّ مدى
وراح عنك ظلام القبر ينحسرُ
في رثاء السيّد محمّد ابراهيم ( 1986)
أوغلتَ خلف حدود الغيب فانهتكت
لكَ الغيوب أساريرًا وأحضانًا
عرائس الشعر حفّت فيك وائتلقت
تزفّ فرحتها فلًّا وريحانًا
من كلّ ناهدة كانت ممنّعةً
أتتكَ فاغفرْ لها صدًّا وهجرانًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في رثاء السيّد نجيب الأمين (1982)
عاملٌ زرعهم…فلولا نداهم
ما استقامت أمجاده الباذخات
جبلٌ كالزمان يبقى وتفنى
عند أقدامه الفلول الغزاةُ
نحن تاريخه ومنّا أضاءت
في تضاعيف وجهه القسمات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في رثاء السيّد محمّد باقر ابراهيم:
ببيت شعر تسيل الريح ينعقدُ
الجنى ترنّح قدّ النهر أوتار
شمائل أُنُفٌ يذوي الربيع ولا
تذوي لهنّ فُجاءات وأسرار
نجيّ شعري لمن شعري أردده
وأنت عن همسه شطّت بك الدار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحيّة إلى كمال جنبلاط:
وشئتَ للأرض أن يُكسى العراة بها
وأن تعود إلى أبنائها النجبِ
وكان أجدبت واستطمرتك دمًا
فقلتَ: هذا دمي يا أرض فاختضبي
ومذ هويت إلى أحشائها طفقتْ
حبلى بألف نبيّ ثائرٍ ونبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في رثاء الشاعر محمّد مهدي الجواهري:
الموت ليس انحناءً…إنّه سفر
أبهى… وبرق وراء العمر مدخّرُ
الموت موجة سحر… وارتحال دم
في دهشة …ومدى بالحلم يبتكرُ
وقامة لك راح الضوء ينقشها
فوق الخلود …فيجلوها وينكسرُ
في رثاء السيّد هاني فحص
هاني أعد شعري إلى لمعانه
وأعد إليّ الشدوا والتغريدا
فلقد صدئتُ وصرتُ بعدكَ آلة
وترًا ينزّ مواجعًا وصديدًا
من أجل سمعك كان شعري هل تُرى
ستعود من أسر النوى فيعودا
حسبي وحسبك نصف قرن كاملًا
نتبادل الابداع والتجديدا.

