في مؤشر بالغ الخطورة على اتساع رقعة التوغل البري الإسرائيلي وتجاوزه الخطوط الحمراء السابقة، شهدت الخريطة العسكرية في جنوب لبنان تحولاً لافتاً تمثّل في إعادة تموضع وحدات الجيش اللبناني واضطرارها للانسحاب إلى خارج حرم ثكنة “كفرتبنيت” الواقعة عند الأطراف الجنوبية لمدينة النبطية، وذلك لتفادي الصدام المباشر في ظل التقدم المدرع لقوات الاحتلال.
سقوط خطوط الدفاع التقليدية
وجاءت خطوة إعادة التموضع العسكري لجنود وضباط المؤسسة العسكرية بعد تسلل آليات وجرافات عسكرية إسرائيلية تحت غطاء ناري كثيف من الغارات الجوية والقصف المدفعي المركز، مما جعل الثكنة التاريخية والمناطق المحيطة بها في مرمى النيران المباشرة للاحتلال.
ويرى خبراء عسكريون أن وصول القوات الإسرائيلية إلى مشارف كفرتبنيت يمثل تطوراً استراتيجياً مقلقاً، لكون البلدة تشكل البوابة الشرقية لمدينة النبطية وصلة الوصل الأساسية مع قرى إقليم التفاح ومنطقة مرجعيون.
جغرافيا التوغل: قضم ممنهج للقرى والبلدات
ويتزامن هذا التطور مع مستجدات ميدانية متسارعة تمثلت في محاولات جيش الاحتلال الإسرائيلي تثبيت نقاط ارتكاز جديدة داخل الأراضي اللبنانية عبر قضم ونسف ممنهج لبلدات خط المواجهة الأول؛ حيث تشير التقارير الواردة من الميدان إلى:
- عمليات نسف واسعة: استمرار فرق الهندسة الإسرائيلية في تفخيخ وتفجير أحياء سكنية كاملة ومباني رسمية في مدينة بنت جبيل التاريخية لقرابة 48 ساعة بهدف تحويلها إلى منطقة عازلة.
- اندفاعة نحو التلال الحاكمة: تحرك أرتال مدرعة تابعة للاحتلال من محاور القطاع الشرقي باتجاه التلال المشرفة على مجرى نهر الليطاني، بالتزامن مع توجيه إنذارات بالإخلاء الفوري لسكان ٢٠ بلدة وقرية في قضاء النبطية وإقليم التفاح وجزين تفرض النزوح إلى ما بعد شمال نهر الزهراني.
ويضع هذا التراجع التكتيكي للجيش اللبناني الترتيبات السياسية الجارية في واشنطن والشرق الأوسط أمام اختبار حقيقي؛ فبينما تتحدث الدبلوماسية الدولية عن قرب توقيع اتفاق تفاهم مؤقت في جنيف يضمن انسحاب إسرائيل الشامل، تُظهر الوقائع على الأرض أن حكومة نتنياهو تسعى لفرض أمر واقع ميداني جديد مستغلة الثغرات اللوجستية، ومحاولةً عزل مدينة النبطية وجوارها عن عمقها الجغرافي قبل أي إعلان رسمي لوقف إطلاق النار.
وفي وقت سابق، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية، تقريراً مفادة أن “قائد القيادة الشمالية اللواء رافي ميلو يضغط لتدمير البنية التحتية لحزب الله في النبطية”.
وأشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل عملية برية على مشارف مدينة النبطية، واستخدم أنواعاً مختلفة من الروبوتات لتحديد مواقع العبوات الناسفة وكشف خلايا حزب الله في المنطقة.
ووصفت وسائل إعلام إسرائيلية “سقوط النبطية، أكبر حصن في جنوب لبنان” بأنه “سيتحول إلى زلزال”.
وتقع النبطية على بعد نحو 15 كيلومتراً شمال نهر الليطاني، وهو موقع يمنحها أهمية استثنائية على المستويات الإدارية والسكانية والاقتصادية، إذ تعد مركزاً رئيسياً في المنطقة.
كما تبعد المدينة بنحو 30 كيلومتراً عن الحدود الإسرائيلية.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن أهمية النبطية لا تقتصر على بعدها الجغرافي، بل تمتد إلى بعدها العسكري، نظراً لإشرافها على شبكة من الطرق الاستراتيجية التي تربط بين القطاع الشرقي والقطاع الأوسط من جنوب لبنان.
ويضاف إلى ذلك قرب النبطية من عدد من المرتفعات والمواقع المهمة، وفي مقدمها قلعة الشقيف التاريخية، التي تبعد عنها نحو 8 كيلومترات فقط.

