في وقت تسابق فيه الدبلوماسية الإقليمية والدولية الزمن لتثبيت ركائز وقف إطلاق النار، اختارت تل أبيب رفع سقف شروطها الميدانية عبر تكريس معادلة أمنية مفتوحة مع لبنان؛ إذ جزم مسؤول إسرائيلي رفيع، في تصريحات نقلتها “القناة 14” العبرية وشبكة “العربية”، بأن الواقع العسكري الراهن في الأراضي اللبنانية سيبقى على حاله دون تعديل، مؤكداً تمسك بلاده المطلق بما وصفه بـ”حرية التحرك” لتنفيذ ضربات وعمليات هجومية ضد أي خطر داهن تراه موجهاً نحوها.
سقوط الرهان الإقليمي وفصل الجبهات
ويحمل هذا الإعلان العسكري الصارم دلالات استراتيجية تتجاوز الحدود اللبنانية المباشرة لتضع طهران في صلب الحسابات؛ حيث أعلن المسؤول الإسرائيلي رسمياً عن فشل المحاولات الإيرانية لـ”ربط الساحات” وتوحيد جبهات الضغط ضد إسرائيل. وتعكس هذه الرؤية رغبة إسرائيلية حاسمة في الفصل بين جبهات المنطقة ومنع تحول المواجهات إلى حرب إقليمية شاملة، مستهدفة بذلك تفكيك ورقة الضغط الاستراتيجية التي طالما اعتمدت عليها إيران وحلفاؤها لمواجهة تل أبيب وواشنطن.
تفخيخ مسار التفاوض وأزمة السيادة
تأتي هذه المواقف الإسرائيلية لتزيد المشهد تعقيداً في لحظة بالغة الحساسية، مظهرة عمق الخلاف حول الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان. وبينما تصر تل أبيب على تكريس معادلة أمنية مفتوحة تمنح جيشها هامشاً واسعاً للحركة العسكرية كلما اعتبرت أن “التهديد” لا يزال قائماً، يتمسك لبنان الرسمي بضرورة الوقف الشامل للاعتداءات والاحترام الكامل للسيادة الوطنية كشروط إلزامية لأي حل.
وتكمن خطورة هذه التصريحات في كونها مؤشراً واضحاً على عدم وجود أي نوايا إسرائيلية، في المدى القريب، لتعديل قواعد الاشتباك، مما يضع الترتيبات السياسية الجارية أمام منزلق وعر، ويبقي مناطق الجنوب اللبناني رهينة مرحلة طويلة من عدم الاستقرار الميداني.

