من «وحدة الساحات» إلى فصل المسارات: مذكرة واشنطن – طهران تكشف سقوط رهان ربط لبنان بالمفاوضات

الجيش اللبناني الجنوب

أكثر ما لفت الانتباه في التسريبات المتداولة حول مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية التي تم التوصل إليها أمس الخميس، ليس مضمونها النووي أو الاقتصادي فحسب، بل التباين الصارخ بين الرواية التي حاولت وسائل إعلام إيرانية، وفي مقدمها وكالة «مهر»، تسويقها، وبين المعلومات التي كشفتها المصادر الأميركية، ولا سيما ما نشره موقع أكسيوس.

فبينما سعت وكالة «مهر» إلى تصوير التفاهم وكأنه اتفاق شامل يعيد رسم توازنات المنطقة ويكرّس ربط الساحات المختلفة ببعضها البعض، بما فيها لبنان، جاءت المعطيات الأميركية لتؤكد العكس تماماً: لا اتفاق جديداً حول لبنان، ولا أي تعديل في قواعد الاشتباك القائمة، بل مجرد تمديد تقني لوقف إطلاق النار الحالي لمدة ستين يوماً، ضمن إطار التهدئة المطلوبة لإنجاح المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران.

محاولة إيرانية لإنقاذ سردية «وحدة الساحات»

تكشف المقارنة بين الروايتين أن طهران تحاول التخفيف من وقع التحولات الاستراتيجية التي فرضتها الحرب الأخيرة. فالتسريبات المنسوبة إلى وكالة «مهر» تحدثت عن وقف شامل للأعمال العدائية في لبنان، وعن ترتيبات إقليمية واسعة، بل ذهبت إلى حد الحديث عن رفع حصار وإعادة إعمار وضمانات دولية ضخمة.

وكالة «مهر» إلى تصوير التفاهم وكأنه اتفاق شامل يعيد رسم توازنات المنطقة ويكرّس ربط الساحات المختلفة ببعضها البعض، بما فيها لبنان، جاءت المعطيات الأميركية لتؤكد العكس تماماً

غير أن ما نشره أكسيوس استناداً إلى مصادر أميركية مطلعة رسم صورة مختلفة كلياً. فالتفاهم لا يتجاوز كونه إطاراً مؤقتاً يهدف إلى منع انفجار الجبهات خلال فترة استئناف المفاوضات النووية. أما الملف اللبناني، فقد جرى التعامل معه باعتباره جزءاً من واقع ميداني قائم أصلاً، وليس ملفاً تفاوضياً مستقلاً أو ورقة إيرانية قابلة للمقايضة.

وهنا تكمن الدلالة السياسية الأهم: لبنان لم يعد بنداً تفاوضياً أساسياً بين واشنطن وطهران كما كان يُسوّق طوال السنوات الماضية، بل تحول إلى ساحة تخضع لمعادلات أمنية وميدانية منفصلة عن مسار التفاوض النووي.

فشل رهان «حزب الله» على ربط الجبهة اللبنانية

منذ اندلاع الحرب الأخيرة، حاول «حزب الله» تثبيت معادلة تقوم على أن مصير الجبهة اللبنانية مرتبط بمصير الصراع الإقليمي الأوسع، وأن أي تسوية في المنطقة لا يمكن أن تتجاوز دوره العسكري والسياسي.

لكن مضمون التفاهم الأميركي – الإيراني يشير إلى نتيجة معاكسة تماماً.

فبدلاً من فرض شروط جديدة على إسرائيل أو انتزاع ضمانات خاصة للبنان، انتهى الأمر إلى مجرد تمديد لوقف إطلاق النار القائم حالياً بكل شوائبه وخروقاته. أي أن الوضع الميداني الذي تعيشه الحدود الجنوبية اليوم سيستمر عملياً خلال فترة التفاوض المقبلة، من دون أي تغييرات جوهرية في ميزان القوى أو قواعد الاشتباك.

وهذا يعني أن الرهان على استخدام الجبهة اللبنانية كورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض الإيراني لم يحقق أهدافه، وأن مسار التفاوض النووي عاد ليتمحور حول القضايا النووية والعقوبات والاقتصاد الإيراني، فيما جرى استبعاد ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي ودعم التنظيمات الحليفة من جوهر التفاوض الحالي، بانتظار رسم توازنات جديدة بعد تقلّص نفوذ محور ايران وانحساره في المنطقة.

وقف نار على الورق… وحرب مستمرة على الأرض

الأكثر دلالة أن الحديث عن تمديد وقف إطلاق النار في لبنان لا يعكس واقعاً ميدانياً مستقراً.

فالخروقات الإسرائيلية مستمرة بصورة شبه يومية، كما أن الاشتباكات والاستهدافات المتبادلة لم تتوقف بالكامل منذ إعلان الهدنة السابقة. وقد استندت إسرائيل خلال الأشهر الماضية إلى هذه الخروقات لتبرير استمرار عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وتمادت في تدمير القرى والحواضر الجنوبية.

بدلاً من فرض شروط جديدة على إسرائيل أو انتزاع ضمانات خاصة للبنان، انتهى الأمر إلى مجرد تمديد لوقف إطلاق النار القائم حالياً بكل شوائبه وخروقاته.

وفي هذا السياق، واصلت القوات الإسرائيلية توسيع نطاق عملياتها البرية في الجنوب، وصولاً إلى مناطق مثل الغندورية وكفرتبنيت، التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن مدينة النبطية، في مؤشر واضح إلى أن الوقائع الميدانية تتطور بعيداً من أي نصوص تفاوضية يجري تداولها في العواصم.

والأهم من ذلك، أن وسائل الإعلام الإسرائيلية نقلت اليوم تأكيدات بأن الاتفاق الأميركي – الإيراني لن يقيّد حرية عمل الجيش الإسرائيلي على الجبهة اللبنانية، وأن القوات الإسرائيلية ستواصل الاحتفاظ بحق التحرك العسكري متى رأت أن ذلك يخدم أهدافها الأمنية.

لبنان خارج المقايضة

الخلاصة التي تفرض نفسها بعد قراءة تفاصيل التفاهم هي أن إيران نجحت في إعادة فتح باب التفاوض مع الولايات المتحدة حول الملف النووي والعقوبات، لكنها لم تنجح في فرض إدراج لبنان ضمن سلة التفاهمات الكبرى.

أما «حزب الله»، الذي خاض الحرب تحت عنوان الدفاع عن محور إقليمي موحد، فيجد نفسه أمام واقع سياسي جديد عنوانه فصل المسارات لا توحيدها. فواشنطن تفاوض طهران على النووي، وإسرائيل تواصل عملياتها في الجنوب وفق حساباتها الأمنية، بينما يبقى لبنان عالقاً في منطقة رمادية بين هدنة غير مكتملة وحرب لم تنتهِ فعلياً.

وبذلك تبدو محاولة وكالة «مهر» إضفاء طابع استراتيجي شامل على مذكرة التفاهم أقرب إلى محاولة إعلامية لتعويض خسارة سياسية واضحة: سقوط رهان ربط الساحة اللبنانية بمسار التفاوض الأميركي – الإيراني، وتحول لبنان من ورقة تفاوض إلى ملف منفصل تحكمه موازين القوة الميدانية أكثر مما تحكمه الاتفاقات الدبلوماسية.

السابق
بين «إعلان إسلام آباد» وواقع «الحرية العسكرية» لتل أبيب: مصير لبنان يترنج في عين التضارب الحاد بين هدنة طهران والشروط الإسرائيلية!