تُجرى المفاوضات عادة بين الأعداء للوصول إلى السلام، لا بين الأصدقاء. ومن هذا المنطلق، لا تكمن المشكلة في لبنان في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل في التوقعات المبالغ بها المرتبطة بنتائجه والمدة الزمنية اللازمة لتحقيقها.
فـ”حزب الله” لا يعترض على التفاوض غير المباشر، ما يعني أن الإشكالية بالنسبة إليه تتعلق بشكل التفاوض لا بجوهره. لكن من ينتظر أن يؤدي التفاوض المباشر إلى وقف فوري لإطلاق النار أو إلى انسحاب إسرائيلي سريع من المناطق المحتلة خلال أسابيع أو حتى أشهر، سيواجه على الأرجح خيبة أمل كبيرة، سواء كان من السلطة اللبنانية أو من الحزب أو من الرأي العام اللبناني والدولي.
تكمن أهمية التفاوض المباشر في أبعاده المستقبلية، وفي ما يمكن أن يفتحه من آفاق أمام لبنان للخروج من دوامة الحروب والدمار المتكرر، والدخول في مرحلة من الاستقرار والازدهار، واستعادة الأراضي المحتلة، وإعادة إعمار المناطق المدمرة، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم. إلا أن تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى وقت طويل ومسار تفاوضي معقد قبل أن تنضج نتائجه.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأسباب التي تدفع الدولة اللبنانية إلى اعتماد خيار التفاوض المباشر.
أولاً: الواقع الميداني والواقعية السياسية
1- لأن حزب الله لم ينجح في منع إسرائيل من احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية
تمكنت إسرائيل من فرض سيطرتها على ما يقارب 10% من الأراضي اللبنانية، وسط مخاوف من توسع الاحتلال ليشمل مناطق إضافية، من بينها مدينة النبطية.
2- لأن الدولة اللبنانية وحزب الله غير قادرين على فرض الانسحاب الإسرائيلي بالقوة
فبعد أن كانت المشكلة محصورة بخمس نقاط عقب اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024، اتسعت رقعة الأراضي المتنازع عليها لتصل، وفق تقديرات متداولة، إلى نحو 800 كيلومتر مربع.
3- لأن لا الدولة اللبنانية ولا حزب الله قادران على وقف الاعتداءات الإسرائيلية
لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية واستهدافاتها، ولا سيما في بلدات الجنوب اللبناني.
4- لأن إيران لا توفر سوى حماية محدودة ومؤقتة لبيئة حزب الله
أظهرت التطورات الأخيرة أن لا إيران ولا حزب الله، وحتى الإرادة السياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تمكنت من فرض معادلة وقف إطلاق النار خارج الضاحية الجنوبية لبيروت.
ففي حين يسري وقف إطلاق النار داخل الضاحية، لا ينطبق الأمر نفسه على الجنوب أو البقاعين الغربي والشمالي، ما كشف حدود ما سُمّي سابقاً بـ”وحدة المسارين” بين إيران وحزب الله.
5- لأن القدرات العسكرية لحزب الله تراجعت بصورة كبيرة
شهد الحزب تراجعاً ملحوظاً في قدراته العسكرية منذ حرب إسناد غزة، وما تبعها من اغتيال الأمين العام السابق السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين وعدد كبير من القادة العسكريين ذوي الخبرة، إضافة إلى الضربات التي استهدفت البنية اللوجستية والأنفاق ومخازن الأسلحة.
كما خسر الحزب جزءاً كبيراً من عمقه اللوجستي والسياسي بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وتحول سوريا إلى ساحة أقل ملاءمة لتحركاته، بل إلى بيئة قد تتخذ مواقف معادية له مستقبلاً.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل الأداء القتالي لمقاتليه، ولا فعالية بعض الوسائل العسكرية، ومنها الطائرات المسيّرة الانتحارية (FPV)، في إلحاق خسائر بالقوات الإسرائيلية.
6- لأن حزب الله لم يتمكن من فرض معادلة تمنع تدمير الجنوب
تعرضت أكثر من 70 بلدة جنوبية لدمار واسع، فيما لم ينجح الحزب في منع تهجير أكثر من مليون لبناني، أو في الحؤول دون تدمير ما يقارب 100 ألف وحدة سكنية.
7- لأن لبنان يدفع ثمن حرب ليست حربه
كما حصل بعد أحداث السابع من أكتوبر، يجد لبنان نفسه مجدداً يدفع كلفة حرب تتجاوز مصالحه الوطنية المباشرة.
8- لأن الدولة اللبنانية تسعى لتحقيق بالدبلوماسية ما عجزت الحروب عن تحقيقه
فالخيار التفاوضي يحظى بتأييد شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يرون في المسار الدبلوماسي فرصة لتقليص الخسائر وفتح أفق للحلول.
9- لأن السلام بات ممكناً عبر التفاوض بعدما أثبتت الحرب حدودها
فبعد سنوات طويلة من المواجهات، أصبح خيار التفاوض أحد المسارات الواقعية المطروحة للوصول إلى تسويات دائمة.
10- لأن المحور الإيراني لم يعد قادراً على دعم حزب الله كما في السابق
خصوصاً بعد انقطاع أو تقييد خطوط الإمداد اللوجستية، ولا سيما البرية منها.
11- لأن الولايات المتحدة تؤدي دوراً أساسياً في حماية البنية التحتية اللبنانية
فلا الدولة اللبنانية ولا حزب الله يمتلكان القدرة على توفير مظلة ردع تمنع استهداف مرافق حيوية، وفي مقدمها مطار رفيق الحريري الدولي.
ثانياً: البعد الاقتصادي والإعماري
12- لأن إعادة الإعمار تحتاج إلى غطاء عربي ودولي
فإعادة بناء ما دمرته الحرب، من مساكن وبنية تحتية، تتطلب استقراراً أمنياً واتفاقاً سياسياً يشجع المانحين والدول الخليجية على الاستثمار وتقديم المساعدات.
13- لإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد اللبناني
إن استمرار حالة الحرب أو “اللاحرب واللاسلم” يعيق أي فرصة للتعافي الاقتصادي، ويضرب قطاعات أساسية مثل السياحة والخدمات، ويزيد الضغوط على العملة الوطنية.
14- للاستفادة من الثروات البحرية والنفطية
إذ يحتاج لبنان إلى بيئة مستقرة وآمنة تسمح باستئناف أعمال التنقيب والاستثمار في موارده البحرية.
ثالثاً: السيادة ومفهوم الدولة
15- لإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها الدستورية
فالتفاوض الرسمي يحصر قرار السلم والحرب بالدولة اللبنانية، ويعزز دور الجيش اللبناني في حماية الحدود وبسط السيادة، انسجاماً مع القرارات الدولية وفي مقدمتها القرار 1701.
16- لأن التفاوض لا يعني الاستسلام بل تثبيت الحقوق
فالمسار الدبلوماسي يشكل أداة قانونية لتثبيت الحدود البرية واستعادة المناطق المتنازع عليها، ومنها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، بالاستناد إلى القانون الدولي لا إلى الحروب المفتوحة.
رابعاً: الواقع الاجتماعي والديمغرافي
17- لتأمين عودة آمنة ومستدامة للنازحين
ومنع تحول النزوح والتهجير إلى أزمة ديمغرافية واجتماعية طويلة الأمد لا يمكن معالجتها إلا من خلال وقف دائم ومستقر لإطلاق النار.
خامساً: المتغيرات الإقليمية والعمق العربي
18- لأن البيئة الإقليمية تتجه نحو خفض التوترات
ففي وقت تتجه فيه دول المنطقة إلى التسويات الاقتصادية والتفاهمات السياسية، لا يمكن للبنان أن يبقى الساحة الوحيدة المفتوحة على الحروب والصراعات.
19- لأن التفاوض يحمي لبنان من العزلة الدولية
إذ يكرس حضوره ضمن إطار الشرعية الدولية ويحول دون تركه وحيداً في مواجهة الضغوط والتحديات الأمنية.### 20- لأن ظروف عام 2000 لم تعد قائمة
فالشرق الأوسط اليوم مختلف جذرياً عمّا كان عليه قبل ربع قرن. فموازين القوى تبدلت، والدور الأميركي تعزز، فيما تراجع النفوذ الروسي في المنطقة، وأصبحت الأولوية الدولية تتركز بشكل متزايد على الأمن الإسرائيلي، في ظل متغيرات إقليمية لا تصب بمعظمها في مصلحة لبنان أو حزب الله.
20- لأن ظروف عام 2000 لم تعد قائمة
فالشرق الأوسط اليوم مختلف جذرياً عمّا كان عليه قبل ربع قرن. فموازين القوى تبدلت، والدور الأميركي تعزز، فيما تراجع النفوذ الروسي في المنطقة، وأصبحت الأولوية الدولية تتركز بشكل متزايد على الأمن الإسرائيلي، في ظل متغيرات إقليمية لا تصب بمعظمها في مصلحة لبنان أو حزب الله.
ثلاثة ثوابت تحكم المرحلة المقبلة
في ضوء المعطيات الحالية، تبدو ثلاثة ثوابت مرشحة للتحكم بالمشهد اللبناني خلال الأشهر، وربما السنوات المقبلة:
أولاً: لن تتوقف الحرب في لبنان في المدى المنظور.
ثانياً: لن تنسحب إسرائيل من الأراضي التي تسيطر عليها في وقت قريب.
ثالثاً: لن يتوقف حزب الله عن مواصلة المواجهة العسكرية مع إسرائيل.
النتيجة: التكيّف مع واقع طويل الأمد
انطلاقاً من هذه الوقائع، يصبح من الضروري أن يتعامل اللبنانيون، كما مسار التفاوض المباشر نفسه، مع هذه الثوابت باعتبارها جزءاً من المشهد القائم.
لقد بدأ زمن الدبلوماسية، لكن زمن الحسم عبر الدبلوماسية لم يحن بعد. فما زالت الكلمة الفصل للميدان، ويبدو أن هذا الواقع مرشح للاستمرار لفترة ليست قصيرة.

