لم يكن السجال العنيف الذي تفجّر في الساعات الماضية بين رئاسة الجمهورية اللبنانية وبين المنظومة الإعلامية والسياسية لـ”حزب الله” مجرد تلاسن عابر في بلد اعتاد الأزمات، بل كان لحظة الحقيقة العارية التي تضع اللبنانيين، والشيعة منهم على وجه الخصوص، أمام المرآة مباشرة. ففي الوقت الذي يرزح فيه لبنان تحت وطأة آلة دمار إسرائيلية لا ترحم، وتئن فيه القرى والبلدات في الجنوب والبقاع والضاحية تحت ركام البيوت والمصائر، يصرّ حزب الله على التجديف عكس تيار المصلحة الوطنية الشاملة، متجاوزاً منطق الدولة، وضارباً بعرض الحائط خيارات شعبه التواق إلى السلام والهدوء.
بدأت فصول هذه المواجهة السيادية عندما وضع رئيس الجمهورية جوزيف عون الإصبع على الجرح النازف. ففي إطلالة واضحة وشجاعة عبر شبكة “سي أن أن” الأميركية، نفض الرئيس الغبار عن القرار السيادي المصادَر، معلناً بالفم الملآن أن طهران تستغل لبنان كـ”ورقة تفاوضية”، ومتوجهاً إلى قادتها بخطاب حاسم: “هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا.. شعبنا هو الذي يُقتل، وبيوتنا هي التي تُدمّر”.
ولم يقف السقف السيادي عند هذا الحد، بل تعداه ليطال جوهر الأزمة الداخلية، حيث أكد الرئيس أن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم “لا يمثل الشعب اللبناني”، وأن الدولة وحدها هي من يمسك بالقرارات السيادية وتملك حصرياً حق التفاوض. هذا الموقف تماهى معه رئيس الحكومة نواف سلام، الذي دعا طهران بوضوح كامل إلى التوقف عن التعامل مع لبنان وجنوبه كورقة لتحسين شروط مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.
إن الجنوح نحو السلام والقبول بقرارات الشرعية الدولية، والبدء في بسط سلطة الجيش اللبناني على كامل التراب الوطني، والتفاوض من خلال القنوات الرسمية للدولة، هو المسار العاقل والوحيد الكفيل بوقف آلة القتل وإنهاء ذريعة الاستهداف الإسرائيلي
بيد أن رد الفعل الصادر عن حزب الله جاء ليؤكد المخاوف التاريخية للمتشككين في لبنانيته؛ إذ لم يحتمل الحزب فكرة الخضوع لمنطق الدولة، فدخل النائب عن الحزب إبراهيم الموسوي على الخط، ليعلن في منشور له أن “نعيم قاسم يمثل بيئة المقاومة وهي غالبية اللبنانيين”، واصفاً السلطة الشرعية للدولة اللبنانية بأنها “سلطة الذل والاستسلام والعار التي تمثل مصالح أميركا”.
هذا المنطق الاستعلائي أطلق بحراً من الردود الشعبية الغاضبة من مواطنين ومغردين تساءلوا: على أي استطلاعات أو تفويض يرتكز الموسوي ليمنح حزبه صك تمثيل غالبية اللبنانيين؟ وكيف يتجرأ على وصف مؤسسات الدولة الشرعية بالعمالة، في حين أن الوقائع الميدانية والسياسية تثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن حزب الله نفسه هو من حوّل الطائفة الشيعية الكريمة، ومعها لبنان بأسره، إلى مجرد ورقة مقايضة رخيصة في البازار الإيراني؟
إن التمعن في كواليس الأيام القليلة الماضية يكشف حجم الارتهان للخارج؛ فقبل أن يصدر الحزب تعليقه الرسمي على مقترح اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته واشنطن، سارع قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى استباق الموقف اللبناني من طهران، معلناً أن “المقاومة” ترفض الاتفاق. وجاء تعليق حزب الله اللاحق بمثابة صدى أمين لأوامر قاآني، حيث وصف الاتفاق بأنه “مخز ومهين”، مفضلاً استمرار النيران على الجنوح نحو خيارات السلام والدولة.
على حزب الله أن يعي، قبل فوات الأوان، أن قوته لا تنبع من كونه ذراعاً مسلحة لطهران، بل من مدى اندماجه تحت سقف الدستور والقانون والدولة التي تمثل الجميع
هنا يكمن الجرم الاستراتيجي الذي يرتكبه الحزب بحق بيئته وبحق وطنه؛ فمنذ انزلاق لبنان في هذه الحرب العبثية المدمرة، يتصرف الحزب كفصيل عسكري تابع للحرس الثوري الإيراني، لا كحزب سياسي لبناني يراعي مصالح مواطنيه.
لقد أُدخلت البلاد في أتون المحرقة نزولاً عند رغبة طهران في تحصين أوراقها الإقليمية وحماية ملفها النووي وأموالها المجمدة التي تتفاوض عليها مع واشنطن. والنتيجة؟ تحوّلت قاطرة الجنوب والبقاع إلى أرض محروقة، ودُفعت الطائفة الشيعية اللبنانية، التي لطالما كانت ركناً أساسياً في بناء الكيان اللبناني وثقافته وعروبته، إلى عزلة داخلية وخارجية غير مسبوقة، بعد أن رُبط مصيرها ومستقبل أبنائها وأرزاقهم ببوصلة الولي الفقية.
إن التمعن في كواليس الأيام القليلة الماضية يكشف حجم الارتهان للخارج؛ فقبل أن يصدر الحزب تعليقه الرسمي على مقترح اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته واشنطن، سارع قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى استباق الموقف اللبناني من طهران، معلناً أن “المقاومة” ترفض الاتفاق
السؤال المصيري الذي يفرض نفسه اليوم بصلابة: ماذا يملك حزب الله بعد من خيارات في جعبته؟ وإلى أين ستقود هذه الخيارات العسكرية المتهورة بالبلاد؟
إن الإصرار على مواصلة الحرب، تحت شعارات “الصمود” و”المقاومة” الجوفاء التي لم تعد تطعم خبزاً ولا تبني بيتاً تهدّم، لن يقود إلا إلى مزيد من التفتت الاجتماعي، والانهيار الاقتصادي الكامل، وإبادة ما تبقى من معالم الحياة في لبنان. لم يعد لدى الحزب أي خيار عسكري قادر على تغيير موازين القوى، بل إن كل ما يفعله الآن هو استنزاف الدماء اللبنانية واستدعاء المزيد من الغارات الدموية والتدمير الممنهج، فقط ليثبت لمرجعياته الإقليمية أنه ما زال قادراً على المشاغبة وإطلاق الصواريخ. إنها خيارات انتحارية تعتمد على المراهنة بجثث المدنيين وأنقاض القرى.
أمام هذا المشهد القاتم، لا يلوح في الأفق سوى طوق نجاة وحيد وأخير: العودة غير المشروطة إلى مظلة الدولة اللبنانية. إن تجنيب لبنان، وتجنيب الطائفة الشيعية تحديداً، هذه المأساة التاريخية المستمرة يفرض حتماً الالتجاء إلى المؤسسات الشرعية، والالتفاف حول مواقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
على حزب الله أن يعي، قبل فوات الأوان، أن قوته لا تنبع من كونه ذراعاً مسلحة لطهران، بل من مدى اندماجه تحت سقف الدستور والقانون والدولة التي تمثل الجميع.
إن الإصرار على مواصلة الحرب، تحت شعارات “الصمود” و”المقاومة” الجوفاء التي لم تعد تطعم خبزاً ولا تبني بيتاً تهدّم، لن يقود إلا إلى مزيد من التفتت الاجتماعي، والانهيار الاقتصادي الكامل، وإبادة ما تبقى من معالم الحياة في لبنان
إن الدولة اللبنانية بجيشها ومؤسساتها هي الملاذ الآمن الوحيد، وحصن الأمان الإستراتيجي لجميع أبنائها. إن الجنوح نحو السلام والقبول بقرارات الشرعية الدولية، والبدء في بسط سلطة الجيش اللبناني على كامل التراب الوطني، والتفاوض من خلال القنوات الرسمية للدولة، هو المسار العاقل والوحيد الكفيل بوقف آلة القتل وإنهاء ذريعة الاستهداف الإسرائيلي.
لقد شبع اللبنانيون حروباً بالوكالة، وسئموا الاستعلاء باسم “تفويض إلهي” أو “أغلبية وهمية” تصادَر بها إرادتهم وثرواتهم وأرواحهم. حان الوقت ليفهم قادة الحزب ومستشاروه أن لبنان ليس ساحة تجارب، ولا صندوق بريد، وأن كرامة اللبنانيين والشيعة لا تصان بالارتهان لمصالح مرشد هنا أو وسيط هناك، بل بكرامة الدولة القوية، القادرة، والسيّدة، التي تحمي أبناءها بالحق والقانون والمصلحة الوطنية العليا، وتضع حداً لهذا المسار التدميري الأعمى.

