دخل رئيس مجلس النواب نبيه بري بقوة على مشهد وقف إطلاق النار الجديد الخاص بالضاحية الجنوبية، وتاليًا بيروت. وأدلى بري بتصريحات واكبت الموقف الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن هذا الوقف الجديد للنار. وأظهرت هذه التصريحات انحيازًا للدور الأميركي في لبنان، إلى درجة خُيّل معها أن بري كاد أن يشهر ولاءه لهذا الدور قبل أن يضطر إلى الانكفاء كي لا يبدو كمن أعلن الطلاق مع طهران.
ستكثر التحليلات حول سلوك بري الأخير. لكن الثابت يبقى الخطر الذي وصل مجددًا إلى ضاحية بيروت الجنوبية، منذرًا بأهوال تعيشها الآن سائر المناطق التي تُصنّف حواضر شيعية. ونقل الإعلام الأميركي صورة عن هذا الخطر الذي أفلح الرئيس الأميركي في لجمه.
كيف أوقف ترامب العاصفة الإسرائيلية؟
في هذا الإطار، تتيح قراءة تقرير موقع أكسيوس الإخباري الأميركي إدراك حجم دور ترامب في الوقوف أمام العاصفة الإسرائيلية العاتية التي لو قُيّض لها أن تمضي إلى نهايتها، لكنا اليوم نتحدث عن أطلال الضاحية الجنوبية على غرار أخواتها في المناطق الحدودية من الجنوب، مثلما هي أطلال قطاع غزة.
جاء في تقرير أكسيوس الذي قلب الأمور رأسًا على عقب في إسرائيل ولا يزال:
“هاجم الرئيس ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب تصعيد إسرائيل في لبنان في مكالمة مليئة بالشتائم يوم الاثنين، حسبما قال مسؤولان أميركيان ومصدر ثالث مطلع على المكالمة.
في المكالمة، وصف ترامب نتنياهو بأنه “مجنون”، واتهمه بالجحود، وفقًا لاثنين من المصادر. كما أوقف خطة إسرائيل لضرب بيروت.
وقال مسؤول أميركي إن ترامب أخبر نتنياهو أن تنفيذ تهديداته بقصف العاصمة اللبنانية سيزيد من عزلة إسرائيل حول العالم. قال اثنان من المصادر إن ترامب ادعى أنه ساعد في إبقاء نتنياهو خارج السجن – في إشارة إلى دعمه خلال محاكمة نتنياهو بتهمة الفساد.
ملخصًا تصريحات ترامب لنتنياهو، قال المسؤول الأميركي: “أنت مجنون بحق. كنت ستكون في السجن لو لم أكن موجودًا. أنا أنقذك. الجميع يكرهك الآن. الجميع يكره إسرائيل بسبب هذا”.
قال مصدر ثانٍ مطلع على المكالمة إن ترامب كان “غاضبًا”، وفي لحظة صرخ في نتنياهو: “ماذا تفعل بحق الجحيم؟”
وقال مسؤول إن هذه كانت واحدة من أسوأ مكالمات ترامب مع نتنياهو منذ عودته إلى المنصب.
يبدو أن غضب ترامب مدفوع بحقيقة أن قرار نتنياهو بالتصعيد في لبنان كان يهدد بانهيار مفاوضاته مع إيران. بعد المكالمة، نشر ترامب على موقع تروث سوشيال أن محادثات إيران “مستمرة بوتيرة سريعة”.
ادعى المسؤول الأميركي الثاني أن ترامب في الواقع “سحق نتنياهو في المكالمة”: “بيبي: حسنًا، حسنًا، فقط تأكد من أن كل شيء يتم الاعتناء به”، بحسب المسؤول.
استغاثة بري وقلق عين التينة
كانت للرئيس الأميركي أسبابه للخروج عن طوره في مخاطبة حليفه الإسرائيلي. كما كانت لرئيس مجلس النواب أسبابه في خروجه عن الصمت القاتل حيال سلوك “حزب الله” الأرعن في إقحام لبنان في حرب ولا كل الحروب منذ 2 آذار الماضي.
وبدا بري، في الحديث الذي أدلى به لصحيفة النيويورك تايمز قبل ساعات من انفجار غضب ترامب على نتنياهو، أشبه بنداء الاستغاثة الذي تطلقه السفن خلال مصارعتها الأنواء في المحيطات.
يبدو أن غضب ترامب مدفوع بحقيقة أن قرار نتنياهو بالتصعيد في لبنان كان يهدد بانهيار مفاوضاته مع إيران.
فقد اعتبر بري أن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الوحيد القادر على إبرام وقف حقيقي لإطلاق النار وإلزام إسرائيل به”. وشدد بري على أن “حزب الله منفتح على وقف إطلاق نار حقيقي”، موضحًا أن “الحاجة الحالية تكمن في تحقيق وقف لإطلاق النار، بغض النظر عما إذا كان الاتفاق منفصلًا عن إيران أو مرتبطًا بها”.
طهران تستدرك..والحزب يسحب التفويض
سارعت طهران، كعادتها، كي لا يفلت منها زمام ورقة لبنان. لكن استغاثة بري مضت إلى العلن عندما اتصل رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بعين التينة.
وكانت ثمرة هذا الاتصال البيان الذي أصدره معاونو بري، وجاء فيه أن بري نوّه بـ”مواقف وجهود الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإصرارها على أن يكون وقف الحرب والعدوان على لبنان بندًا أولًا وأساسيًا في أي اتفاق ينهي الحرب ويعيد الاستقرار إلى المنطقة”.
ولم يتأخر “حزب الله” عن استدراك طهران لهذه النجدة التي منحها سيد البيت الأبيض للضاحية الجنوبية. وجاهر عضو كتلة الحزب النيابية إيهاب حمادة بسحب التفويض من بري في التواصل مع الأميركيين، فصرّح قائلًا إن “حزب الله” لا يتواصل مع أحد سوى مع الإيرانيين، الذين بدورهم يتواصلون مع الرئيس بري بشكل يومي، وصولًا إلى اليومين الأخيرين، في ظل التهديد الإسرائيلي باستهداف بيروت.
اعتبر بري أن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الوحيد القادر على إبرام وقف حقيقي لإطلاق النار وإلزام إسرائيل به”. وشدد بري على أن “حزب الله منفتح على وقف إطلاق نار حقيقي”،
مأزق الثنائي بين واشنطن وطهران
يحق للمتشائمين أن يبقوا على موقفهم من أنه ليس هناك ما يُظهر أن “حزب الله” يبدي أي إشارة إلى أنه لبناني تهمه مصالح لبنان عمومًا والشيعة خصوصًا.
لكن هناك من غير المتشائمين أو المتفائلين من يرون في موقف الرئيس الأميركي ما يستحق التنويه، لجهة فرملة الغضب الإسرائيلي الذي سيبقى متعقبًا لـ”حزب الله” على كل الأراضي اللبنانية، حتى ولو أدى ذلك إلى دمار لبنان.
ويقول هؤلاء إن حماسة بري المستجدة للدور الأميركي، ونكران “حزب الله” لهذا الدور، هو عنوان مأزق قاد لبنان عمومًا وشيعته خصوصًا إلى تهلكة لا مثيل لها في تاريخهم.
بالطبع، ليس هناك من مساحة لحسن النيات. لكن، لو كانت النيات حسنة، لهتف الثنائي: “لبيك ترامب”.

