لم يعد الجدل الدائر في ألمانيا حول حظر الحرس الثوري الإيراني وتصنيفه منظمة إرهابية مجرد نقاش قانوني أو أمني داخلي، بل أصبح جزءاً من سؤال أوسع يواجه أوروبا بأكملها: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في التعامل مع الحرس الثوري باعتباره مؤسسة عسكرية تابعة لدولة، بينما تتزايد الأدلة على ضلوعه في أنشطة تتجاوز الحدود الإيرانية وتمس الأمن الأوروبي مباشرة؟
التطورات الأخيرة في ألمانيا تعكس تحولاً مهماً في هذا الاتجاه. فالدعوات الصادرة من داخل الحزب الذي يقود الحكومة الألمانية، إلى جانب تقارير أجهزة الاستخبارات الألمانية والتحقيقات القضائية الجارية، تشير إلى أن النقاش انتقل من مرحلة التحذير إلى مرحلة البحث عن إجراءات عملية. ولم يعد الحديث يدور فقط حول سياسات إيران الإقليمية، بل حول نشاطات يُشتبه بأنها استهدفت معارضين إيرانيين ومؤسسات دينية وأهدافاً داخل الأراضي الأوروبية.
على مدى سنوات طويلة، فضلت عواصم أوروبية عديدة الفصل بين الخلافات السياسية مع طهران وبين العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها. وكانت هناك قناعة لدى بعض الدوائر بأن الحفاظ على قنوات التواصل قد يساهم في احتواء التوترات أو دفع النظام الإيراني نحو سلوك أكثر اعتدالاً. لكن الوقائع المتراكمة خلال الأعوام الأخيرة دفعت عدداً متزايداً من السياسيين والخبراء إلى إعادة النظر في هذه المقاربة.
فالتقارير الأمنية الألمانية، كما هو الحال في دول أوروبية أخرى، تتحدث عن نشاطات مرتبطة بأجهزة النظام الإيراني والحرس الثوري، تشمل مراقبة معارضين، وجمع معلومات استخبارية، ومحاولات تهديد وترهيب خارج الحدود الإيرانية. ومع كل تقرير جديد، يتراجع الهامش الذي كان يسمح بتبرير سياسة الانتظار أو الرهان على التغيير من داخل النظام.
«تحذيرات سبقت التحول الأوروبي»
اللافت أن كثيراً من هذه المخاوف ليست جديدة. فمنذ سنوات طويلة، حذرت المقاومة الإيرانية من أن الخطر الذي يمثله الحرس الثوري لا يقتصر على الداخل الإيراني أو على الملف النووي، بل يمتد إلى شبكة واسعة من النشاطات الأمنية والعسكرية والأيديولوجية العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، أكدت السيدة مريم رجوي مراراً أن تصدير التطرف والإرهاب يشكل أحد الأعمدة الأساسية لبقاء نظام ولاية الفقيه، وأن التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها مسألة ثانوية أو منفصلة عن طبيعة النظام نفسها يؤدي إلى نتائج عكسية. كما دعت على مدى سنوات إلى إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب وقطع مصادر تمويله ونشاطه في الخارج، معتبرة أن هذا الإجراء ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل ضرورة لحماية الأمن والاستقرار في المنطقة وأوروبا.
واليوم، يبدو أن جزءاً متزايداً من المؤسسات السياسية والأمنية الأوروبية بات يقترب من هذه الخلاصة. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت هناك مشكلة مرتبطة بالحرس الثوري، بل كيف ينبغي التعامل معها.
غير أن التردد الأوروبي لم يختفِ بالكامل. فما زالت بعض الحكومات تنظر إلى المسألة من زاوية المصالح الدبلوماسية والاقتصادية، أو من زاوية الحفاظ على قنوات اتصال مع طهران في ملفات إقليمية ودولية معقدة. كما أن بعض العواصم تخشى أن يؤدي التصعيد إلى مزيد من التوتر أو إلى إجراءات انتقامية من جانب النظام الإيراني.
لكن في المقابل، يزداد اقتناع قطاع واسع من السياسيين الأوروبيين بأن كلفة التغاضي عن هذه الأنشطة أصبحت أكبر من كلفة مواجهتها. فكلما تأخر اتخاذ خطوات واضحة، ازدادت المخاوف من أن تتحول أوروبا إلى ساحة مفتوحة لأنشطة أمنية واستخبارية مرتبطة بالحرس الثوري.
إن الجدل الجاري في ألمانيا اليوم قد يكون مؤشراً على مرحلة جديدة في الموقف الأوروبي من النظام الإيراني. وإذا ما مضت برلين نحو حظر الحرس الثوري وتصنيفه منظمة إرهابية، فإن ذلك لن يكون مجرد قرار ألماني داخلي، بل رسالة سياسية وأمنية تتجاوز حدود ألمانيا نفسها.
وفي المحصلة، يبدو أن أوروبا تقترب من لحظة حسم طال انتظارها. فإما الاستمرار في سياسة الموازنة بين المخاوف الأمنية والاعتبارات الدبلوماسية، أو الاعتراف بأن الحرس الثوري لم يعد مجرد ذراع عسكرية لدولة، بل أصبح، في نظر عدد متزايد من الأوروبيين، جزءاً من مشكلة أمنية عابرة للحدود تتطلب استجابة أكثر وضوحاً وحزماً.

