أهمية المفاوضات العسكرية اللبنانية ـ الإسرائيلية برعاية أميركية

جاد الأخوي
المفاوضات الحالية ليست مجرد حدث عابر، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ لبنان الحديث. مرحلة تنتقل فيها الأولوية من الحرب إلى الدولة، ومن السلاح إلى المؤسسات، ومن الشعارات إلى حماية الناس ومصالحهم.

من منطق الحرب الدائمة إلى واقعية الدولة

قبل أشهر قليلة فقط، كان الحديث عن مفاوضات لبنانية ـ إسرائيلية يبدو أشبه بالخيال السياسي في لبنان. بل إن مجرد استخدام كلمة “مفاوضات” كان كفيلاً بإشعال سجالات داخلية واتهامات بالخيانة أو التطبيع أو التخلي عن القضية الفلسطينية. لكن المنطقة تغيّرت بسرعة هائلة، ولبنان نفسه دخل مرحلة مختلفة فرضتها الحرب الأخيرة، والانهيار الاقتصادي، والتحولات الإقليمية والدولية. لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: “هل نتفاوض؟”، بل: لماذا أصبح التفاوض ضرورة وطنية للبنان؟

للمرة الأولى منذ عقود، يجد لبنان نفسه أمام واقع جديد: مفاوضات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، وبغطاء دولي، وبعنوان واضح هو تثبيت الأمن والاستقرار ومنع الانزلاق إلى حرب جديدة. وهذا بحد ذاته تحوّل استراتيجي كبير في تاريخ الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي.

من اتفاق الهدنة إلى مفاوضات ما بعد الحرب

في التاريخ اللبناني، لم تكن فكرة التفاوض مع إسرائيل غائبة بالكامل. فلبنان وقّع اتفاق الهدنة عام 1949 بعد حرب فلسطين، وكانت هناك لجان عسكرية مشتركة بإشراف الأمم المتحدة. كما شهدت العقود الماضية محطات تفاوض غير مباشر، أبرزها مفاوضات ترسيم الحدود البحرية التي انتهت باتفاق رعته الولايات المتحدة.

لكن الجديد اليوم أن المفاوضات تأتي بعد حرب مدمّرة كشفت حجم الكارثة التي يمكن أن تصيب لبنان إذا بقي رهينة منطق “الساحات المفتوحة”. فالحرب الأخيرة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل هزّت الاقتصاد والبنية الاجتماعية والبيئة الاستثمارية، وأعادت طرح السؤال الأساسي: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟

هنا تحديداً تظهر أهمية المفاوضات العسكرية الحالية. فهي ليست مجرد نقاش تقني حول الحدود أو وقف إطلاق النار، بل تعبير عن انتقال تدريجي من منطق “المواجهة المفتوحة” إلى منطق الدولة التي تبحث عن حماية شعبها واستقرارها.

لماذا الرعاية الأميركية أساسية؟

قد يختلف اللبنانيون حول السياسة الأميركية في المنطقة، لكن لا يمكن تجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة هي الطرف الدولي الوحيد القادر عملياً على رعاية تفاوض من هذا النوع وضمان نتائجه. فواشنطن تمتلك التأثير على إسرائيل، كما تمتلك أدوات الضغط والدعم تجاه لبنان والمؤسسات الدولية.

الرعاية الأميركية تعني أيضاً أن المجتمع الدولي يريد منع انهيار لبنان الكامل. فالعالم يدرك أن أي انفجار أمني جديد على الحدود الجنوبية قد يؤدي إلى حرب إقليمية واسعة لا يريدها أحد في هذه المرحلة، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية الممتدة من غزة إلى البحر الأحمر وإيران.

كما أن وجود الولايات المتحدة في الرعاية يمنح لبنان فرصة لتحويل المفاوضات إلى مدخل لاستعادة دوره كدولة، لا كساحة صراع بالوكالة. فالمفاوضات هنا لا تُدار من قبل تنظيمات أو ميليشيات، بل من خلال الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، وهذا بحد ذاته تطور سياسي مهم.

الجيش اللبناني في قلب المعادلة

من أهم التحولات التي أفرزتها المرحلة الحالية أن الجيش اللبناني عاد إلى الواجهة كمؤسسة تمثل السيادة اللبنانية. لسنوات طويلة، جرى تهميش دور الدولة تحت شعار “المقاومة”، حتى بات القرار العسكري خارج المؤسسات الرسمية.

أما اليوم، فإن المفاوضات العسكرية تعني عملياً الاعتراف الدولي والإقليمي بأن الجيش اللبناني هو الجهة الشرعية المعنية بأمن الحدود وتنفيذ أي تفاهمات مستقبلية. وهذا يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الواحدة والسلاح الشرعي الواحد.

الرئيس اللبناني حين شدد مؤخراً على أن حماية أمن لبنان وسيادته حصرية بالجيش، كان يرسل رسالة داخلية وخارجية في آن واحد: لبنان يريد العودة إلى منطق المؤسسات، لا منطق المحاور المسلحة.

هل نحن أمام سلام؟

السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم: هل هذه المفاوضات مقدمة لاتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل؟

الجواب حتى الآن: ليس بالضرورة. فالمفاوضات العسكرية لا تعني تلقائياً تطبيعاً سياسياً أو انتقالاً فورياً إلى معاهدة سلام. لكنها بالتأكيد تكسر واحداً من أكبر المحرمات السياسية في لبنان والمنطقة.

الأهم أن هذه المفاوضات تعكس واقعية سياسية جديدة. فبعد عقود من الشعارات الكبرى، اكتشف اللبنانيون أن الحروب المتكررة لم تحرر أرضاً إضافية، بل ساهمت في تدمير الاقتصاد وتهجير السكان وتعميق عزلة لبنان العربية والدولية.

من هنا، فإن أي تفاوض يهدف إلى حماية الحدود ومنع الحرب واستعادة الاستقرار لا يمكن النظر إليه فقط من زاوية أيديولوجية، بل أيضاً من زاوية المصلحة الوطنية اللبنانية.

التحول داخل البيئة الشيعية

واحدة من أهم النقاط التي غالباً لا يتم التوقف عندها هي التحولات داخل البيئة الشيعية اللبنانية نفسها. فالحرب الأخيرة تركت آثاراً اجتماعية واقتصادية هائلة على الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. آلاف العائلات نزحت، والبنى التحتية دُمّرت، والناس بدأت تطرح أسئلة مختلفة عن السابق.

هناك شريحة متزايدة داخل الطائفة الشيعية باتت تسأل: هل مصلحة الشيعة اللبنانيين هي في البقاء ضمن مشروع إقليمي مفتوح على الحروب، أم في العودة إلى الدولة اللبنانية والاستقرار الاقتصادي؟

هذا التحول لا يعني بالضرورة انقلاباً سياسياً سريعاً، لكنه يعكس تغيراً تدريجياً في الأولويات. فالناس تريد مدارس ومستشفيات وفرص عمل وإعادة إعمار، لا حروباً دائمة.

ومن هنا يمكن فهم التوتر السياسي الذي يظهر أحياناً في خطاب بعض قيادات حزب الله. فالحزب يدرك أن انتقال ملف التفاوض إلى الدولة اللبنانية يعني عملياً تراجع احتكاره لورقة “الصراع مع إسرائيل”، وهي الورقة التي شكلت أساس شرعيته لعقود.

لبنان بين المحور والدولة

المفاوضات الحالية تكشف أيضاً صراعاً أعمق داخل لبنان: هل يكون البلد جزءاً من محور إقليمي تقوده إيران، أم دولة مستقلة تحاول بناء علاقات متوازنة مع العالم؟

طوال السنوات الماضية، كان لبنان يُستخدم في كثير من الأحيان كورقة تفاوض إقليمية. أما اليوم، فقد انتُزع القرار اللبناني من الحسابات الإقليمية وأُعيد إلى المؤسسات الدستورية اللبنانية.

هذا لا يعني أن الطريق سهلة. فهناك قوى داخلية لا تزال تعتبر أي تفاوض مع إسرائيل خيانة سياسية أو انقلاباً على “ثقافة المقاومة”. لكن في المقابل، هناك شريحة واسعة من اللبنانيين باتت ترى أن استمرار الحرب الدائمة هو الخطر الحقيقي على لبنان.

الاقتصاد أيضاً على طاولة التفاوض

لا يمكن فصل المفاوضات العسكرية عن الأزمة الاقتصادية اللبنانية. فلبنان المنهار مالياً لا يستطيع تحمل حرب جديدة. والاستثمارات العربية والدولية لن تعود في ظل احتمال انفجار الجبهة الجنوبية في أي لحظة.

الاستقرار الأمني أصبح شرطاً أساسياً لأي خطة إنقاذ اقتصادي أو إعادة إعمار. لذلك، فإن نجاح المفاوضات قد يفتح الباب أمام دعم دولي أوسع للبنان، وإعادة تحريك الاقتصاد، وعودة الثقة تدريجياً بالمؤسسات اللبنانية.

كما أن المجتمع الدولي لن يموّل إعادة إعمار الجنوب إذا بقي احتمال الحرب قائماً كل بضعة أشهر. وبالتالي، فإن تثبيت الحدود ووقف التصعيد أصبحا جزءاً من معركة الإنقاذ الاقتصادي.

لحظة تاريخية جديدة

ربما لم يتخيل اللبنانيون قبل أشهر أنهم سيسمعون عن مفاوضات عسكرية لبنانية ـ إسرائيلية بهذا الوضوح. وربما لم يتخيل كثيرون أن المنطقة كلها تتغير بهذه السرعة.

لكن التاريخ لا يسير وفق الشعارات، بل وفق موازين القوى والوقائع الجديدة. ولبنان اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن يستفيد من التحولات ليعيد بناء الدولة، أو يبقى أسيراً لمنطق الحروب المفتوحة والمحاور الإقليمية.

المفاوضات الحالية ليست مجرد حدث عابر، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ لبنان الحديث. مرحلة تنتقل فيها الأولوية من الحرب إلى الدولة، ومن السلاح إلى المؤسسات، ومن الشعارات إلى حماية الناس ومصالحهم.

والسؤال الحقيقي الذي سيواجه اللبنانيين في السنوات المقبلة ليس فقط كيف يفاوضون إسرائيل، بل كيف يعيدون بناء وطنهم بعد عقود من الانقسامات والحروب والارتهان للخارج.

السابق
نتنياهو يعلن توسيع التوغل برًا.. وواشنطن تحذر من ضرب بيروت
التالي
«التفاوض مستمر رغم النار».. واشنطن تتمسك بمسار البنتاغون وتحدد هدف إسرائيل في لبنان