في «عيد التحرير».. الحكومة امام اختبار السيادة: قاسم يهدّد بإسقاطها وروبيو يردّ بعنف!

عيد التحرير

في الذكرى السادسة والعشرين لـ”عيد المقاومة والتحرير”، بدا لبنان وكأنه يعيش مفارقة سياسية وأمنية قاسية: احتفال رسمي بذكرى اندحار الاحتلال الإسرائيلي عن الجنوب عام 2000، يقابله واقع ميداني يشتعل بالغارات والإنذارات والنزوح، وسجال داخلي – خارجي يتجاوز مسألة السلاح إلى مستقبل الدولة نفسها.

فبينما اختار الأمين العام لـحزب الله الشيخ نعيم قاسم رفع السقف إلى حد التهديد بإسقاط الحكومة إذا عجزت عن “حماية السيادة”، جاء الرد الأميركي سريعاً وعنيفاً عبر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي اعتبر أن “الحقبة التي كان يحتجز فيها حزب الله لبنان رهينة قد أوشكت على الانتهاء”. بذلك، تحوّل عيد التحرير هذا العام من مناسبة لاستعادة ذاكرة الانتصار على إسرائيل إلى منصة مواجهة مفتوحة حول معنى السيادة، ومن يحتكر قرار الحرب والسلم، ومن يرسم مستقبل لبنان في المرحلة المقبلة.

قاسم: نزع السلاح “إبادة”… والحكومة أمام اختبار البقاء

تصريحات نعيم قاسم لم تأتِ هذه المرة في إطار الدفاع التقليدي عن “المقاومة”، بل حملت نبرة تصعيدية غير مسبوقة تجاه الداخل اللبناني. فالرجل اعتبر أن المطالبة بحصرية السلاح بيد الدولة “مشروع إسرائيلي”، مؤكداً أن نزع سلاح الحزب “إبادة” لا يمكن القبول بها، قبل أن يوجّه رسالة مباشرة إلى السلطة بقوله: “إذا كانت الحكومة عاجزة عن حماية السيادة فلترحل”.

هذا الكلام يعكس حجم القلق الذي يعيشه الحزب في مرحلة ما بعد حرب الإسناد لغزة والمواجهة الإقليمية مع إيران، خصوصاً بعدما تحوّل ملف السلاح إلى بند دولي وإقليمي ضاغط، لا سيما من الجانب الأميركي. كما أنه يكشف أن الحزب بات يرى في أي محاولة لإعادة تثبيت مفهوم الدولة الواحدة تهديداً وجودياً لدوره العسكري والسياسي.

لكن الأخطر في خطاب قاسم أنه نقل الصراع من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى الاشتباك على شرعية السلطة نفسها، واضعاً الحكومة أمام معادلة حادة: إما تبنّي معادلة “المقاومة”، أو مواجهة خطر الانهيار السياسي والأمني.

روبيو: زمن احتجاز لبنان انتهى

الرد الأميركي لم يتأخر. فقد دان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو “الدعوة المتهورة للحزب للإطاحة بالحكومة المنتخبة ديموقراطياً”، مؤكداً دعم واشنطن للحكومة اللبنانية “في مساعيها لاستعادة سلطتها وبناء مستقبل أفضل للبنان”.

لكن العبارة الأكثر دلالة جاءت حين قال إن “الحقبة التي كان يحتجز فيها حزب الله أمة لبنان بأسرها كرهينة قد أوشكت على الانتهاء”. وهي عبارة تختصر التحول الأميركي المتصاعد في التعامل مع الملف اللبناني، حيث لم تعد واشنطن تتحدث فقط عن تطبيق القرار 1701 أو ضبط الحدود، بل عن إعادة تشكيل التوازن الداخلي اللبناني نفسه.

وفي خلفية هذا الموقف، تبدو الولايات المتحدة مقتنعة بأن الحرب الأخيرة أضعفت الحزب استراتيجياً، وأن الفرصة أصبحت متاحة لفرض وقائع سياسية جديدة عنوانها تعزيز سلطة الدولة والجيش وتقليص نفوذ الحزب العسكري.

عون وسلام: الدولة أولاً… ولكن بحذر

في المقابل، حاول رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اعتماد خطاب متوازن يربط بين حق لبنان في مقاومة الاحتلال وبين ضرورة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة.

عون شدد في كلمته على أن “الجيش سيبقى الضامن الوحيد للأمن الوطني”، مؤكداً أن خيار التفاوض لاستعادة الأراضي المحتلة “ليس استسلاماً بل تأكيد على حصرية حق لبنان في حماية أرضه وسيادته”. أما سلام فاختار خطاباً إنسانياً ركّز فيه على التضامن مع الجرحى والنازحين وأهالي الجنوب، معتبراً أن العيد الحقيقي لن يتحقق إلا “بانسحاب إسرائيل الكامل وعودة الأهالي بأمان وكرامة”.

هذه اللغة تعكس محاولة رسم معادلة جديدة: الاعتراف بتضحيات التحرير من جهة، والسعي تدريجياً نحو إعادة حصر القرار الأمني والعسكري بالدولة من جهة أخرى، من دون الذهاب إلى صدام مباشر مع الحزب.

بري وباسيل: بين حماية “المقاومة” والدعوة للدولة

رئيس مجلس النواب نبيه بري أعاد في كلمته التأكيد على شرعية “المقاومة” وربط التحرير الحالي بالمواجهة المستمرة مع إسرائيل، معتبراً أن لبنان يتعرض منذ سنوات لـ”حرب إبادة وتدمير”. لكنه دعا في الوقت نفسه إلى “التكامل في الأدوار” وحماية السلم الأهلي ونبذ الفتن.

أما رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل فحاول التموضع في منتصف الطريق، فاعتبر أن التحرير كان “إنجازاً وطنياً حقيقياً”، لكنه شدد على ضرورة “تعزيز قوة الدولة” ومنع تحويل لبنان إلى “ساحة لصراعات الآخرين”.

الجنوب تحت النار… والتحرير المؤجل

ميدانياً، بدت كل الخطابات السياسية عاجزة أمام مشهد الجنوب المشتعل. فقد توالت الإنذارات الإسرائيلية التي أطلقها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي افخاي ادرعي لسكان صور والرشيدية وبرج الشمالي والمعشوق، بالتزامن مع غارات عنيفة وقصف فوسفوري استهدف بلدات القطاع الغربي وقرى عدة في الجنوب.

كما شهدت بلدات أرنون ويحمر الشقيف والغندورية وفرون والسلطانية غارات مكثفة، فيما أصيب أربعة أشخاص في غارة على بلدة الدوير، بينهم حالتان خطرتان.

وهكذا، بدا “عيد التحرير” هذا العام أقرب إلى ذكرى معلّقة بين ماضٍ تحقق فيه الانسحاب الإسرائيلي، وحاضر يعود فيه الجنوب إلى دائرة النار، فيما ينقسم اللبنانيون مجدداً حول سؤال قديم يتجدد بقوة: هل تُحمى البلاد بالسلاح خارج الدولة أم بقيام دولة قادرة وحدها على حماية الجميع؟

السابق
سموتريتش يشعل سجال الكابينت: هدم 10 مبانٍ في الضاحية مقابل كل مسيّرة من «الحزب»
التالي
ضبط مطلوبين بمذكّرات توقيف عند حاجز ضهر البيدر!