تلقّت الساحة اللبنانية برزمة عقوبات أميركية استثنائية وغير مسبوقة، أحدثت تداعيات مدوية تجاوزت مفاعيلها الأبعاد السياسية التقليدية لتصيب البنية الأمنية والعسكرية للدولة العميقة. هذه الاندفاعة الأميركية الجديدة، التي طالت نواباً ومسؤولين من حزب الله وحركة أمل، والسفير الإيراني، وضباطاً في الجيش والأمن العام، كشفت عن توجه واشنطن لرفع السقف والحماية عن قطاعات طالما اعتُبرت بمثابة خطوط حمراء محرمة، ملقيةً بظلالها الثقيلة على الأجواء المحيطة بالمسار التفاوضي الأمني والعسكري المرتقب.
كواليس السرايا الحكومية.. صمت وتفادٍ للردود
أوضحت مصادر سياسية مطلعة لـ صحيفة «اللواء» أن مجلس الوزراء اللبناني تفادى بشكل متعمد الخوض في ملف العقوبات الأميركية الأخيرة خلال جلسته، وذلك منعاً لإثارة أي نقاشات أو ردود فعل حادة من شأنها أن تنعكس سلباً على الأجواء العامة المرتبطة بعملية التفاوض الجارية، لاسيما وأن البيانات الصادرة عن الأجهزة الأمنية والمعنيين كانت واضحة في سياقها.
وأشارت مصادر «اللواء» إلى أن هذه العقوبات تتطلب توقفاً جديّاً عندها من أجل فهم التوجه الأميركي الحقيقي والرسائل الكامنة وراءها، وهو ما يفرض على الدولة اللبنانية إعادة النظر في بعض الأمور؛ نظراً لأن الهدف الأساسي من هذه العقوبات هو التأثير المباشر على التوازنات السياسية والأمنية الحاكمة في البلاد، وممارسة ضغوط قصوى قبيل انطلاق المسار الأمني للمفاوضات.
إقرأ أيضا: بيئة المقاومة بين نداءات محمد رعد وواقع التشريد.. فجوة الشعارات والأرصفة!
وفي المقابل، نقلت الصحيفة عن أوساط مراقبة رؤيتها بأن عدم تطرق الحكومة إلى ملف بهذا الحجم والخطورة يطرح أكثر من علامة استفهام حول الأسباب الحقيقية وراء هذا السلوك، فهل غابت المعطيات والبيانات الدقيقة عن السلطة التنفيذية، أم أن الحكومة تسعى جاهدة لإنجاح المفاوضات المقبلة بأي ثمن؟ لافتة إلى أن الحكومة فضلت ترك مهمة الرد والتعليق للمعنيين في الأجهزة الأمنية والقضائية.
اقتحام «المحرمات» وتهديد رئيس البرلمان
من جهتها، أفادت صحيفة «النهار» بأن المشهد الداخلي طغت عليه بالكامل التداعيات المدوية لرزمة العقوبات الأميركية التي استهدفت نواباً ومسؤولين في حزب الله وحركة أمل، والسفير الإيراني المعلقة مهمته في بيروت، بالإضافة إلى ضابطين في مخابرات الجيش والأمن العام.
وبحسب الانطباع الدقيق الذي ترشح لدى المعنيين، فإن هذا التطور يعتبر استثنائياً ويحمل دلالات غير مسبوقة، كونه يمثل المرة الأولى التي يقتحم فيها الجانب الأميركي «المحرمة الأساسية» باستهدافه البنية الأمنية والعسكرية التي يتكأ عليها حزب الله داخل مؤسسات الدولة العميقة والأجهزة الأمنية والجيش، والتي طالما تجنبت واشنطن المس بها في السابق.
وحذرت التقارير والمعلومات التي أوردتها «النهار» من أن هذا المسار ينذر بالاتساع، في ظل معلومات تؤكد امتلاك الجانب الأميركي عشرات الأسماء الإضافية المرشحة للإدراج في دفعات مقبلة، مما يعلن رسمياً رفع الغطاء والحماية عن أي عسكري أو ضابط يثبت تورطه في تسهيل مهمات حزب الله أو التعاون معه.
كما أشارت الصحيفة إلى دلالة لا تقل خطورة، تتمثل في نفاد صبر الإدارة الأميركية من أداء رئيس مجلس النواب نبيه بري وتغطيته ومشاركته لحزب الله في ملفات كثيرة، مما يجعل فرض عقوبات على بري نفسه أمراً محتملاً جداً في المرحلة المقبلة.
فيتو أميركي على وفد البنتاغون والتحقيقات الداخلية (وفقاً لـ «النهار»)
ونقلت صحيفة «النهار» عن مصادر أميركية أن الأنظار تتجه حالياً نحو تركيبة الوفد العسكري اللبناني الذي سيشارك في مفاوضات البنتاغون؛ حيث وصلت رسالة أميركية مباشرة وحاسمة للجانب اللبناني مفادها: «لا ترسلوا أشخاصاً لديهم أي ارتباط أو تنسيق أو غطاء سياسي لحزب الله، لأن المفاوضات العسكرية ستفشل قبل أن تبدأ»، معتبرة هذا الأمر خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
وأضافت المصادر أن بعض الشخصيات العسكرية التي تساهم في صياغة البيانات داخل المؤسسة العسكرية، وتحديداً في «مكتب التوجيه» التابع لقيادة الجيش، باتت تحت مجهر التدقيق صلب واشنطن لمعرفة ما إذا كانت مقربة من حزب الله أو ترتبط به.
كما لفتت إلى أن استخدام وزارة الخزانة الأميركية لعبارة «عرقلة السلام» في بيانها الأخير يعد إشارة تحذيرية واضحة بأن أي طرف لبناني أو إقليمي سيُتهم لاحقاً بتعطيل مسار التفاوض أو ملف نزع السلاح سيصبح هدفاً تلقائياً لعقوبات إضافية مشددة.
وعلى وقع هذه التطورات، تسارعت الاتصالات الرسمية؛ حيث طلب وزير الداخلية أحمد الحجار من المدير العام للأمن العام إجراء التحقيقات اللازمة وبشكل عاجل في أي مخالفات تخص الضباط المستهدفين إن وُجدت.
وفي المقابل، أصدرت قيادة الجيش اللبناني بياناً دافعت فيه بقوة عن ضباطها وعناصرها، مؤكدة أن جميع عسكريي المؤسسة يؤدون مهماتهم الوطنية بكل احتراف، مسؤولية، وانضباط، ووفقاً للقرارات والتوجيهات الصادرة عن القيادة حصراً، مشددة على أن ولاء العسكريين هو للمؤسسة العسكرية والوطن فقط، بعيداً عن أي اعتبارات أو ضغوطات خارجية.

