الطائفة الشيعية إلى أين؟

الشيعة

لم تعد المسألة الشيعية في لبنان سؤالاً مذهبياً، بل صارت سؤالاً وطنياً كبيراً: ماذا يبقى من طائفةٍ حين تُختزل بتوقيعين، وسلاحين، وشبكتين من الزبائنية والخوف والولاء؟

لقد أمسك الثنائي الشيعي، منذ ما يزيد على أربعة عقود، بكامل خيوطها، أي بطرفَي المعادلة: حركة أمل بالخيط المدني ـ السياسي ـ الخدماتي، وحزب الله بالخيط العسكري ـ الأمني ـ العقائدي. وبين الخيطين ضاقت المساحة أمام الشيعي المستقل، والمثقف الحر، واليساري القديم، والوطني غير الملتحق، ورجل الأعمال غير الزبائني، والطبيب والمهندس والمغترب الذي لا يريد أن يكون رقماً في ماكينة حزبية.

اليوم، في ظل الحرب المدمّرة مع إسرائيل، لم يعد السؤال: من يؤيد ومن يعارض؟ بل: من يملك حق تقرير مصير الناس؟

من الحرمان إلى منظومة الإمساك

كانت الطائفة الشيعية، تاريخياً، طائفة حرمان وكفاح وارتقاء اجتماعي. خرجت من الأطراف، من الجنوب والبقاع والضاحية، مطالبة بالعدالة والمشاركة والاعتراف. لكن ما جرى لاحقاً أن خطاب رفع الحرمان تحوّل إلى منظومة إمساك، وخطاب المقاومة تحوّل إلى قرار حرب وسلم خارج الدولة.

وهكذا انتقلت الطائفة من موقع المطالبة بالحقوق إلى موقع دفع الأثمان.

اليوم، في ظل الحرب المدمّرة مع إسرائيل، لم يعد السؤال: من يؤيد ومن يعارض؟ بل: من يملك حق تقرير مصير الناس؟

الجنوب يُدمَّر، القرى تُفرَّغ، العائلات تُهجَّر، والناس تدفع ثمن خيارات لم تُستفتَ بها. التقارير الأخيرة تتحدث عن أكثر من 1.2 مليون نازح، وعن آلاف القتلى منذ اندلاع الحرب، مع استمرار الضربات الإسرائيلية حتى بعد اتفاق وقف النار الهش في نيسان/أبريل 2026.

نزيف الكفاءات والصامتين

الأخطر أن الطائفة تفقد أبناءها الصامتين: الكفاءات، والأطباء، والمهندسين، ورجال الأعمال، والطلاب، والمغتربين، وأولئك الذين تعبوا من أن يكونوا وقوداً أو شهود زور.

هؤلاء لا يملكون حزباً مسلحاً، ولا مفاتيح توظيف، ولا صندوق خدمات، لكنهم يملكون السؤال الأصعب: هل يُراد للشيعة أن يبقوا جماعة حرب دائمة، أم جماعة مواطنة وشراكة وبناء؟

إن مستقبل الطائفة الشيعية لن يُصنع باستمرار الثنائية المغلقة، ولا بتخوين المعترضين، ولا بتقديس السلاح، ولا بتحويل الفقر والدمار إلى بطولة إجبارية.

المستقبل يبدأ حين تستعيد الطائفة تعددها الداخلي، وحين يخرج صوتها المدني من الخوف، وحين يُفصل حق الدفاع عن الأرض عن حق حزب واحد في مصادرة الدولة.

الجنوب يُدمَّر، القرى تُفرَّغ، العائلات تُهجَّر، والناس تدفع ثمن خيارات لم تُستفتَ بها. التقارير الأخيرة تتحدث عن أكثر من 1.2 مليون نازح، وعن آلاف القتلى منذ اندلاع الحرب،

الطائفة ليست ملكاً لأحد

الطائفة الشيعية ليست ملكاً لحركة أمل، ولا لحزب الله، ولا لأي زعيم أو محور. هي مكوّن لبناني عميق، له تاريخه وتضحياته وثقافته ووجعه.

وإنقاذها لا يكون بإخراجها من موقع المقاومة إلى موقع الهزيمة، بل بإخراجها من الأسر الحزبي إلى رحابة الدولة.

السؤال ليس: هل يبقى الشيعة أقوياء؟

السؤال الحقيقي: هل يستطيعون أن يكونوا أقوياء داخل الدولة، لا خارجها؛ شركاء في الوطن، لا أسرى لمحور؛ مواطنين أحراراً، لا جمهوراً يُستدعى كلما دقّت طبول الحرب؟

الجواب: نعم، وبكل بساطة، الشيعة بإمكانهم أن يكونوا أقوى من وضعهم الحالي إذا دخلوا إلى الدولة بمفهوم الدولة كشركاء في الوطن، وليس بمفهوم الثنائية، وبمفهوم المحاصصة والزبائنية المعتمد منذ أكثر من أربعة عقود.

السابق
عون استقبل سلام: القضاء الركيزة الأساسية في بناء الدولة
التالي
قماطي: لا نأمل خيراً… ما يجري ليس مفاوضات بل «مذكرة جلب» أميركية للدولة اللبنانية