لا يمكن لأي توصيف أن يخفّف من وحشية ما تقوم به إسرائيل في الجنوب: تدمير ممنهج، اقتلاع البلدات والقرى ومحوها، واستهداف بنية حياة الجنوبيين بكاملها، بما يتجاوز أي ادعاء بالدفاع عن النفس، إنه منطق الاقتلاع والعقاب الجماعي. هذه جرائم حرب واضحة في آثارها على الناس وعلى الأرض.
لكن الأخطر هنا أن سلوكنا الداخلي، بكل ما فيه من انقسام وصخب واشتباك لفظي، لا يفعل سوى أمر واحد: يغطّي هذا الإجرام ويشتّت الانتباه عنه. حين ننشغل بإهانات متبادلة وفتن مفتعلة، نمنح المعتدي ما يحتاجه: مجتمع مفكك وعاجز عن توحيد صوته أو فرض روايته. وهكذا تتحول المأساة إلى خبر عابر، ويتحوّل الألم الموجع إلى خلفية لضجيج داخلي لا يُعيد تعمير بيت ولا يحمي بشري.
المحصلة، مشهد تتراكب فيه ثلاث أزمات في وقت واحد: حرب مفتوحة في الجنوب، انهيار داخلي، وتفكك اجتماعي يتغذّى على خطاب الكراهية. هذا المشهد يبدو كأنه “جنون” مطلق. فهل يعقل أن البعض ينشغل، في اللحظة الذي يتهاوي فيها الجنوب تحت القصف والتدمير والتهجير، بحروب افتراضية، وبإهاناتٍ متبادلة تطال الرموز الدينية!! كأن المأساة لم تعد تكفينا، فنبحث عن مأساة إضافية نصنعها بأيدينا.
حين يُهان البطريرك بشارة الراعي، لا تكون القضية شخصاً أو موقعاً دينياً فحسب، بل تصبح مرآة لشيء أخطر: استبدال لغة العيش المشترك بلغة ومنطق الغرائز. إن استباحة الكرامات، تفقدنا كل إمكانية للحماية.
هل يعقل أن البعض ينشغل، في اللحظة الذي يتهاوي فيها الجنوب تحت القصف والتدمير والتهجير، بحروب افتراضية، وبإهاناتٍ متبادلة تطال الرموز الدينية!! كأن المأساة لم تعد تكفينا، فنبحث عن مأساة إضافية نصنعها بأيدينا
لكن الخطأ لا يكمن فقط في حادثة من هنا أو شتيمة من هناك. إن الخطأ في المسار المؤذي للانفجار. فبماذا يخدم الانفجار الطائفي الآن؟
ما حصل مع بشارة بطرس الراعي ليس تفصيلاً. إن الإساءة للرموز الدينية في لبنان كانت تاريخياً:
إما مقدمة فتنة أو وسيلة لتفريغ للاحتقان أو لتشتيت الانتباه عن ملفات أخطر: مثل التفاوض، السلاح، أو الضغوط الدولية. بمعنى آخر: عندما تعجز السياسة، تُستدعى الغرائز.
أن تحويل الناس إلى خصوم جماعيين هو الطريق الأسرع نحو الانفجار. وهذا يقودنا إما الى استمرار الاستنزاف، أو انفجار داخلي محدود، كإشتباكات متنقلة أو فتنة موضعية، وصولاً الى امكانية فتنة معممة لا تبقي ولا تذر.
لبنان اليوم ليس فقط ضحية عدوان خارجي تمارسه إسرائيل، بل أيضاً ضحية قرار داخلي مزمن بأن يكون ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. هذا القرار لم يُفرض علينا بالكامل، بل جرى تغطيته او التعايش معه، وتبريره، وأحياناً تسويقه كقدر، هنا تحديداً تكمن المشكلة.
أن تحويل الناس إلى خصوم جماعيين هو الطريق الأسرع نحو الانفجار. وهذا يقودنا إما الى استمرار الاستنزاف، أو انفجار داخلي محدود، كإشتباكات متنقلة أو فتنة موضعية، وصولاً الى امكانية فتنة معممة لا تبقي ولا تذر
حزب الله لا يتحرك فقط كفاعل لبناني، بل كفصيل من الحرس الثوري وكجزء من محور تقوده إيران. هذا يعني أن قراراته ليست محكومة فقط بحسابات الداخل، بل أيضاً بصراع إقليمي أوسع مع إسرائيل والولايات المتحدة. وبعد ربط لبنان بمحور تقوده إيران، جعل من البلد جزءاً من الصراع الإقليمي الكبير؛ مسوقاً ذلك انه حماية أو توازن ردع.
أما غايته فهي الحفاظ على شرعيته داخل بيئته، عبر خطاب “المقاومة”، وخطر التهديد الوجودي، ومنع قيام دولة قوية تقيّد سلاحه، وفرض نفسه كشريك إلزامي في أي تسوية.
وبين من يحمل السلاح، ومن يعارضه، تضيع الدولة. وبين من يبرّر، ومن يشتم، تضيع الحقيقة.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات عالية النبرة. إنه يحتاج إلى وضوح بسيط:
لا يمكن بناء دولة بقرارين.
ولا يمكن حماية مجتمع بخطابين متناقضين.
ولا يمكن طلب التعاطف من العالم، فيما البلد يقدّم نفسه كساحة مفتوحة.

