لبنان يريد السلام بلا «تطبيع»…وواشنطن تُسرّع تفاهمها مع طهران

السراي الحكومي

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يتقاطع المسار اللبناني الداخلي مع تحولات كبرى على مستوى الصراع الأميركي – الإيراني، ما يضع لبنان أمام اختبار مزدوج: تثبيت وقف إطلاق النار داخليًا، وتحديد موقعه في أي تسوية إقليمية قيد التشكل. وفي هذا السياق، تتكثف المواقف السياسية والروحية في بيروت، بالتوازي مع تسارع الاتصالات الدولية التي قد تفضي إلى تفاهم مرحلي بين واشنطن وطهران.

سلام بلا تطبيع: موقف رسمي حذر

أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن الحديث عن أي لقاء محتمل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يزال سابقًا لأوانه، مشددًا على أن لبنان لا يسعى إلى التطبيع، بل إلى تحقيق السلام.

هذا التمييز يعكس مقاربة لبنانية دقيقة تحاول الفصل بين إنهاء الحرب كضرورة وطنية، وبين الانخراط في مسار سياسي قد يُفسَّر داخليًا كتنازل استراتيجي. وربط سلام أي تقدم في هذا المسار بتثبيت وقف إطلاق النار، معتبرًا أنه المدخل الإلزامي لأي مفاوضات جدية قد تُعقد في واشنطن.

عون: لا غالب ولا مغلوب

في موازاة ذلك، شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون على معادلة داخلية ثابتة: “لم تربح يومًا فئة على أخرى”، في إشارة واضحة إلى خطورة الانقسامات الداخلية في ظل التحديات الراهنة. هذا الخطاب يعكس محاولة إعادة تثبيت منطق الشراكة الوطنية، في مواجهة أي انزلاق نحو صراعات داخلية قد تواكب التوترات الإقليمية.

نداء بكركي: السيادة أولًا والسلاح بيد الدولة

من جهتهم، رفع مجلس المطارنة الموارنة برئاسة بشارة بطرس الراعي سقف الخطاب السيادي، معتبرًا أن المرحلة الحالية تفرض استعادة الدولة لكامل صلاحياتها، وتعزيز ثقة المواطن عبر المساءلة وترسيخ سيادة القانون.

وأكد المجلس أن الكيان اللبناني نهائي لجميع أبنائه، لا يقوم على الغلبة بل على الشراكة، مشددًا على ضرورة تحصين لبنان من صراعات المحاور، والدفاع عن كامل أراضيه.

كما أعاد التذكير بأولوية تطبيق الدستور والميثاق الوطني، وحصرية السلاح بيد الدولة، في موقف يتقاطع مع القرارات الدولية، لا سيما القرار 1701، ويؤسس لمقاربة سيادية شاملة تعيد لبنان إلى موقعه الطبيعي.

في مقاربته لمسار التفاوض مع إسرائيل، دعا المجلس إلى رعاية عربية ودولية لأي مسار تفاوضي، مع التأكيد على أن العودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1949 يمكن أن تشكل نقطة انطلاق نحو سلام مستدام.

غير أن هذا المسار، وفق الطرح الكنسي، يجب أن يتلازم مع تكريس حياد لبنان بقرار أممي، بما يبعده عن صراعات المحاور التي استنزفته لعقود.

وسط هذه النقاشات الكبرى، يبقى الواقع الاجتماعي الضاغط حاضرًا بقوة. فلبنان، الذي يعاني منذ 2019 من انهيار اقتصادي غير مسبوق، يرزح تحت أعباء الحروب المتكررة، من خسائر بشرية ودمار واسع وتهجير وهجرة شبابية متصاعدة.

وفي هذا السياق، يبرز موقف واضح: غالبية اللبنانيين لا تريد الانخراط في حروب مفتوحة، بل تبحث عن الاستقرار والعيش بكرامة.

واشنطن – طهران: اتفاق الصفحة الواحدة

إقليميًا، تتجه الولايات المتحدة نحو إبرام مذكرة تفاهم أولية مع إيران، وفق ما كشفه موقع Axios، في خطوة قد تنهي الحرب وتفتح باب مفاوضات أوسع.

وتتضمن المسودة وقفًا مؤقتًا لتخصيب اليورانيوم مقابل رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، إضافة إلى تخفيف القيود على الملاحة في مضيق هرمز.

تشير المعطيات إلى أن الاتفاق يقوم على إعلان نهاية الحرب وبدء مفاوضات لمدة 30 يومًا، قد تُعقد في عواصم مثل جنيف أو إسلام آباد. كما يتضمن التزامات إيرانية بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، وإمكانية نقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد.

في المقابل، تحتفظ واشنطن بخيار إعادة فرض الحصار أو استئناف العمليات العسكرية في حال انهيار المفاوضات، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى هدنة قابلة للانفجار.

بين موقف رسمي يرفض التطبيع ويتمسك بالسلام، وضغط داخلي لاستعادة الدولة، وتسويات إقليمية قيد الطبخ، يقف لبنان أمام مفترق طرق حاسم.

فإما أن ينجح في تثبيت وقف النار وترسيخ سيادته ضمن معادلة توازن دقيقة، أو يجد نفسه مجددًا ساحة لتصفية الحسابات في شرق أوسط يُعاد رسمه على وقع تفاهمات مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة.

السابق
هل ستزولُ إسرائيلُ مِنَ الوجودِ؟!
التالي
تصعيد إعلامي حاد: أدرعي يهاجم إعلام «الحزب» ويتحدث عن «انتصارات وهمية»