لم يعد الخلاف في لبنان مجرد تباين في وجهات النظر السياسية، بل تحوّل إلى صراع على من يملك حق التمثيل، ومن يقرر مصير الناس، خصوصًا في الجنوب. هناك من يتحدث باسم “المقاومة” وخياراتها المفتوحة، وقرارها المختصر بـ”الثنائي الشيعي”، وهناك من يريد ببساطة أن يعيش، أن يحمي بيته وأرضه، وأن يكون له صوت في قرار الحرب والسلم.
المشكلة لم تعد فقط في الانقسام، بل في فرض خيار واحد على الجميع. كأن أهل الجنوب كتلة واحدة، وكأن كل بيت مستعد لأن يكون خط تماس، وكل عائلة مستعدة لدفع الثمن ذاته. هذا التعميم لم يعد مقبولًا، لا أخلاقيًا ولا سياسيًا، ولا سيما في ظل صمت انتقائي يمارسه أرباب الطائفة الشيعية، وعلى رأسهم رئيس مجلس النواب نبيه بري.
تضيع البوصلة بين المسمى الوظيفي للرئيس بري: هل هو رئيس مجلس النواب الذي يحمل هموم الطائفة الشيعية وغيرها من مكونات البلد، أم أنه رهينة موقعه كجزء من الثنائية الشيعية؟ فهو يبدو متخليًا عن دوره كحامل لأمانة السيد موسى الصدر، وكرئيس لحركة أمل التي لم تعد قاعدتها راضية عن هذا الامتزاج، إلى حد الاضمحلال، في أجندة الارتهان الإيراني. ويبدو امتعاض حركة أمل واضحًا من إعادة نشر فيديوهات تذكّر بالماضي الأليم بين حركة أمل وحزب الله، وتداولها على وسائل التواصل الاجتماعي كرسائل رجاء، لإظهار تمايز بري والتذكير بمواقف كبار قادة حركة أمل، كداود داود، في دعوة من هذه القاعدة الشعبية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الطائفة.
أما في الكيان اللبناني المقسم والمتشرذم، حيث إن قرار السلم والحرب يُصدر من إيران ويُطبّق من حزب لا يرى في الأفق إلا أجندات مموله الخاصة، فإننا نجد أنفسنا أمام الكثير من الأسئلة: ماذا يريد الجنوبيون فعلًا؟ إذ لا يمكن أن نعاتب الدولة على تقصيرها صباحًا، ونتهمها بالعمالة إذا ما حاولت إيجاد حل مساءً
تارةً تجد أبناء الجنوب يناشدون بري اتخاذ موقف واضح: هل يعودون إلى قراهم أم لا؟ وطورًا تراهم يطالبونه بموقف حاسم، إلا أن رئيس مجلس النواب وزعيم الطائفة يُبقي على ندرة المواقف ويتمهّل في صياغتها لغويًا لتبدو بعيدة كل البعد عن منطق الدولة. وذلك في ظل مخاوف من أشباح تتربص بالطائفة الشيعية للقضاء عليها، فيسارع البعض إلى الالتفاف على قاعدة: “أنا وابن عمي على الغريب”. هذه القاعدة الشعبية نفسها تطالب الدولة يوميًا بتحمّل مسؤولياتها، وما تلبث أن تقصف هذه الدولة بنعوت العجز واتهامات العمالة.
في دولة حقيقية، لا مكان لمثل هذه المعضلة، فالدولة هي المسؤولة عن حماية شعبها وأرضها، كما أنها مسؤولة عن قراري السلم والحرب.
لماذا لا يُسأل الناس مباشرة؟ لماذا لا تحدد الدولة بشكل واضح من يريد وقف إطلاق النار والتفاوض، ومن يصر على خيار المواجهة؟
أما في الكيان اللبناني المقسم والمتشرذم، حيث إن قرار السلم والحرب يُصدر من إيران ويُطبّق من حزب لا يرى في الأفق إلا أجندات مموله الخاصة، فإننا نجد أنفسنا أمام الكثير من الأسئلة: ماذا يريد الجنوبيون فعلًا؟ إذ لا يمكن أن نعاتب الدولة على تقصيرها صباحًا، ونتهمها بالعمالة إذا ما حاولت إيجاد حل مساءً.
أصوات تنادي بعدم مفاوضة العدو، وهذا أمر أكثر من إنساني في ظل المجازر المرتكبة من قبل عدو لا يرحم الحجر ولا البشر، ولكن ما السبيل إلى إنهاء هذه المجزرة؟
وهنا يبرز سؤال بسيط: لماذا لا يُسأل الناس مباشرة؟ لماذا لا تحدد الدولة بشكل واضح من يريد وقف إطلاق النار والتفاوض، ومن يصر على خيار المواجهة؟
على الدولة اللبنانية أن تقوم بخطوة عملية من أجل إنهاء هذه المهزلة، تبدأ بالتواصل مع العائلات في الجنوب، وفق لوائح الشطب المعتمدة، لتحديد موقفها الصريح: هل تريد حماية الدولة، أم تفويض “ميدان نعيم قاسم، ومن ورائه عباس عراقجي وزير خارجية إيران”، في حمايتها؟ عندها يصبح التمثيل واضحًا، والمسؤولية واضحة أيضًا.
العائلات التي تختار الدولة، من حقها الكامل أن تحظى بحمايتها. وعلى الدولة أن تفعل ما بوسعها لمنع هذه الحرب من الوصول إلى بيوتها، وأن تُغلق أي بنى عسكرية تُستخدم من محيطها، وأن يُدافع عنها سياسيًا وأمنيًا. هذه ليست منّة، بل جوهر فكرة الدولة.
أما من يختار خيار المواجهة المفتوحة، فليبقها مفتوحة، ولكن بعيدًا عن منازل من لا يريد هذه المواجهة. رثاء المنازل اليومي ليس تفصيلًا، ولا يحق لأي كان مصادرة أحاسيس البشر وخياراتهم. هناك من يقول: كفى، لا أريد أن أكون “سعيدًا”، ولا أريد أن أخسر منزلي “فداءً لأي كان”. وبالتالي، لا يمكن فرض خيار المواجهة على هؤلاء، ولا أن يُجر مجتمع كامل إلى مصير لم يختره. الحرية في القرار تعني أيضًا تحمّل تبعاته، لكن بشكل فردي أو جماعي اختياري، لا قسري.
ما نعيشه اليوم هو حالة عبثية: الدولة متهمة إن تدخلت، ومتهمة إن لم تتدخل. عاجزة عن حماية الناس، ومُدانة في الوقت نفسه. وفي المقابل، هناك من يدّعي القدرة على الفعل، لكنه في الواقع يفرض واقعًا مدمرًا لا يملك الجميع رفاهية رفضه.
الحل ليس بسيطًا، لكنه يبدأ من مبدأ واضح: الناس ليست أدوات. كل بيت له حق القرار والاختيار، وكل عائلة لها الحق في أن تُحمى وفق خيارها. وعندما يصبح التمثيل مبنيًا على إرادة فعلية، لا على ادعاء سياسي وشعبوية طائفية، يمكن عندها فقط الحديث عن شرعية أي خيار، سواء كان تفاوضًا أم مواجهة
هذا النموذج لم يعد قابلًا للاستمرار. لا يمكن أن يبقى الجنوب رهينة خطاب مزدوج: “نحميكم” و”تدفعون الثمن” في آن واحد. ولا يمكن أن تستمر معادلة مصادرة إرادة الناس باسمهم.
الحل ليس بسيطًا، لكنه يبدأ من مبدأ واضح: الناس ليست أدوات. كل بيت له حق القرار والاختيار، وكل عائلة لها الحق في أن تُحمى وفق خيارها. وعندما يصبح التمثيل مبنيًا على إرادة فعلية، لا على ادعاء سياسي وشعبوية طائفية، يمكن عندها فقط الحديث عن شرعية أي خيار، سواء كان تفاوضًا أم مواجهة.
ربما لن يؤدي هذا الطرح إلى حل كامل، وربما يفتح أبوابًا جديدة من الجدل، لكنه على الأقل يضع النقاش في مكانه الصحيح: من يقرر؟ ومن يدفع الثمن؟ وإلى متى سيبقى لبنان رهينة حفنة من الموتورين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يتشبثون بآراء موتورين آخرين، بما يغذي “راجح” الذي لا يتوانى عن التلويح بشبح الحرب الأهلية والتذكير به؟
فمن المعيب استخدام هذه الحجة، وكل ما هو مطلوب أن ينزل خاطفو قرار الطائفة الشيعية عن الشجرة، ويضعوا أسس شراكة حقيقية داخل البلد… وإلا فإن على الطائفة الشيعية وأبنائها السلام في حرب الإبادة التي تنفذها إسرائيل، في ظل ترقب إيراني ممسك بورقة حزب لا يتحرك إلا بأمر المرشد الأعلى… إن ثبت وجوده!

