أبو إبراهيم، وهو تاجر سلاح لبناني من الطائفة الشيعية، فضّل عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية، صرّح لموقع “جنوبية” قائلاً: “يُعدّ لبنان بوابة الشرق الأوسط في تجارة السلاح، إذ تتدفّق الأسلحة من روسيا وتركيا والعراق ومصر، وصولاً إلى أفريقيا، لتصبّ في لبنان عبر سوريا أو عبر مرفأ بيروت”. وأضاف أن “بلد توريد السلاح ليس بالضرورة بلد صناعته، فكثير من الأسلحة ذات منشأ أميركي وروسي، رغم أنها تصل عبر دول أخرى”.
تحولات السوق وتدفق السلاح
يشير أبو إبراهيم إلى أن السوق اللبنانية غَرِقت بالسلاح خلال فترة زمنية معينة، إذ تدفّق السلاح بكثافة عبر الحدود، حتى إن بعض الداخلين عبر المناطق الحدودية المتاخمة لبعلبك–الهرمل كانوا مدجّجين بالسلاح، وقد قايضوا دخولهم إلى لبنان مقابل تسليم هذا السلاح للعشائر.
ويضيف أن كميات كبيرة من الأسلحة بقيت داخل الأراضي السورية، ولم يتمكّن من إخراج سوى نسبة قليلة منها. ومع عودة بعض العناصر من الخارج، بدأ تصريف الأسلحة في السوق، ما أدّى إلى انخفاض ملحوظ في الأسعار. ويقول: “القطعة التي كان سعرها 10 آلاف دولار، أصبحت تُباع بثلاثة آلاف دولار”.
أما اليوم، فيرى أبو إبراهيم أن السوق قد “نشّطت قليلاً”، لكنها لا تزال عند مستويات سعرية أدنى مقارنة بمرحلة الذروة.
وعن كيفية تأمين احتياجات السوق من السلاح، في ظل ما تتطلبه النزاعات من إمدادات لوجستية، يجيب: “السوق دائماً تُلبّي، وهناك طلب مستمر على السلاح المتوسط والصواريخ المتوسطة، لكن ما يُحظَر إدخاله هو السلاح المضاد للطائرات”. واعتبر أبو إبراهيم أن لبنان يشكّل “محطة رئيسية لهذه التجارة”، مشيراً إلى أن شبكات النفوذ غير الرسمية تلعب دوراً أساسياً في إدارتها.
يشير أبو إبراهيم إلى أن السوق اللبنانية غَرِقت بالسلاح خلال فترة زمنية معينة، إذ تدفّق السلاح بكثافة عبر الحدود، حتى إن بعض الداخلين عبر المناطق الحدودية المتاخمة لبعلبك–الهرمل كانوا مدجّجين بالسلاح، وقد قايضوا دخولهم إلى لبنان مقابل تسليم هذا السلاح للعشائر.
تجار “السِكّة” ومنافذ التهريب
وحين سألته عن طرق التهريب المعتمدة، طلب ابو ابراهيم إطفاء الهواتف، وجلسنا بعيداً عنها، وقمت بتدوين الملاحظات خطياً. ثم أشار، انه خلافاً لما هو متداول، إلى أن “السِكّة” الأساسية للتهريب اليوم تمرّ عبر وادي خالد وليس عبر منطقة البقاع. وعند استيضاح المقصود بمصطلح “السِكّة”، شرح قائلاً إن التجار ينقسمون إلى أنواع مختلفة، لكلٍّ منها دوره في عملية التهريب:
التاجر السوري أو البائع، وهو يتقاضى ثمن السلاح داخل سوريا مباشرة قبل عملية التحميل.
التاجر اللبناني، وهو المشتري الذي يدفع ثمن السلاح داخل لبنان عند استلامه.
تاجر “السِكّة”، وهو الوسيط الذي يدفع للتاجر السوري ويبيع للتاجر اللبناني، ويتولى مسؤولية النقل وتحمل المخاطر، مقابل حصوله على النسبة الأكبر من الأرباح.
وأوضح أن السكة الرئيسية للتوريد إلى لبنان تمر عبر وادي خالد، ولم تعد محصورة بطرف واحد، بل باتت تحت سيطرة شبكات متعددة، بعدما كانت لها سابقاً طرق عديدة مثل السماقيات، وحاويك، وزيتا، وحوش السيد علي، ومطربة وغيرها.
المعابر غير الشرعية وانتشارها
في المقابل، أفاد أحد المصادر من قرية عرسال البقاعية المحاذية للحدود السورية، لموقع “جنوبية”، بالقول: “الطرق موجودة، ومعابر التهريب مفتوحة، ففي عرسال وحدها هناك ما يقرب من 7 معابر للتهريب، وفي الهرمل حوالي 10 معابر”. ويضيف أن “السلاح المتوسط المحمول على الكتف، والمضاد للدروع، والصواريخ الموجهة الدقيقة، والكورنيت والفاغيت، كلها تمر عبر هذه الطرق”.
ويشير المصدر إلى أن المسألة المذهبية لا تنعكس على التهريب عبر المعابر، لأنها تجارة، وحين يوجد المال والمصلحة ينتفي السؤال المذهبي، ويستمر التعامل والتهريب من سوريا إلى لبنان. فغالبية الشاحنات والصهاريج، بحسب تصريحاته، التي تمر من المعابر الموجودة في مناطق مختلفة، تعود ملكيتها لمهربين من خلفيات متنوعة، لأن الفائدة تطال جميع الأطراف.
ويشير، بنبرة ساخرة: “المهرّب وظيفته التهريب، والمعبر هو الوسيلة، فإذا قاطعنا التهريب لأي طرف، يفقد المعبر مهمته الأساسية وتفقد الوظيفة دورها الأساسي”. ويسرد بلهجة عرسالية أن المعابر متوفّرة بمختلف أنواعها، ويذكر على سبيل المثال لا الحصر: معبر حوش بيت الرابي، ومعبر حوش العبارة، ومعبر النسوان، ومعبر بيت دندش، ومعبر العقربية، وطرق معربون، واللائحة تطول.
نقل الأسلحة عبر الحدود (صورة تعبيرية / جنوبية)
تشابك المصالح وتداخل الشبكات
حين استُطلعت آراء عدد من أبناء منطقة البقاع، خلصت أقوالهم إلى أن المسألة الاقتصادية تتقدم على غيرها في هذا المجال، وأن المصالح العابرة للحدود تفرض نوعاً من التعاون بين شبكات مختلفة، بغض النظر عن الانتماءات. واعتبر بعضهم أن استمرار تدفق السلاح يرتبط أيضاً بتوازنات إقليمية معقدة، حيث لا ترغب بعض الجهات الدولية بانهيار كامل لأي طرف، لما لذلك من انعكاسات على النفوذ في المنطقة.
في هذا السياق، يشير الجنرال المتقاعد خليل الحلو إلى أن شبكات تهريب السلاح تنشط بين الأردن والعراق وسوريا ولبنان، وهي شبكات معروفة وتعمل منذ سنوات طويلة. ويستند في ذلك إلى متابعات إعلامية وتحليلات مفتوحة المصدر، من دون الجزم بدقة كل المعطيات.
واقع السوق: بين الإغراق والندرة
غرق السوق اللبناني بالأسلحة مطلع عام 2025 بعد سقوط النظام السوري، إذ تم تفريغ مخازن عسكرية ونقلها إلى لبنان، ومنها جرى تصريفها في السوق المحلي، لا سيما الأسلحة الخفيفة والذخائر. حينها انخفضت الأسعار، وخصوصاً لأسلحة الكلاشينكوف، وبادر بعض الأفراد إلى بيع ما لديهم من “القطع” بغية الاستفادة المادية.
وحتى اليوم، لا تزال أسعار القطع الخفيفة، كالمسدسات والرشاشات، أرخص مما كانت عليه قبل أعوام، فيما ارتفع سعر الأسلحة المتوسطة ضعفين أو أكثر، نظراً لعدم توافرها في السوق، إذ يتم استقدامها عند الحاجة.
وبحسب مصادر بقاعية مطلعة على أمور التهريب، فقد دفعت جهات مبالغ مضاعفة للحصول على الأسلحة، وبالتالي هناك دائماً من يلبّي الطلب من المهرّبين، إضافة إلى الرشاوى والإكراميات التي تتم عبر الحدود لتسهيل مرور الشاحنات من دون تفتيشها.
وتتابع: صحيح أن السلطات قامت بضبط بعض الأنفاق بين سوريا ولبنان، لكن المصادر تعتبر أن ذلك لا يعكس الحقيقة الكاملة، فقد كان معظم تلك العمليات صوَريّة لاظهار الجدية بمكافحة عمليات التهريب، إذ استمرت عمليات التهريب بطرق مختلفة.
التخزين كخيار استراتيجي
في هذا الإطار، يشير الجنرال خليل الحلو إلى أن عمليات تخزين السلاح تمت على مدى سنوات طويلة، عبر شبكات إمداد تمرّ بمطارات ومنافذ حدودية متعددة. كما لفت إلى أن بعض الأسلحة يتم تصنيعها محلياً، بما في ذلك طائرات مسيّرة وصواريخ، إضافة إلى تطوير أنواع أخرى.
ويضيف أن عمليات التخزين كانت تتم داخل أنفاق تحت الأرض تُقدّر بعشرات الكيلومترات، ما يعكس طبيعة التحضير طويل الأمد لأي مواجهة محتملة.
بدوره، يشير رئيس حركة “قرار بعلبك الهرمل” علي صبري حمادة إلى وجود دلائل ملموسة على تزايد حجم تهريب الأسلحة خلال السنتين الأخيرتين، لافتاً إلى حجم الأموال والأرباح التي حصدها تجار السلاح والمهربون في المنطقة، واصفاً المشهد بالقول: “طاروا، صاروا فوق الريح”، في إشارة إلى الأرباح الضخمة التي جنوها، متحفظاً عن ذكر أسماء.
ويضيف أن عمليات نقل السلاح لم تعد تندرج ضمن التجارة التقليدية، بل ضمن عمليات مركزة تشمل السلاح المتوسط والثقيل، ما يعكس، برأيه، مستوى أكثر خطورة وتعقيداً في هذا النشاط.
يقدّم موقع جنوبية مواضيع خاصّة وحصرية، تتضمن صوراً ووثائق وأخباراً من مصادر موثوقة ومتنوّعة تتراوح بين السياسة والمجتمع والاقتصاد والأمن والفن والترفيه والثقافة.