في وقت تشتعل فيه الجبهات الميدانية من جنوب الليطاني إلى شماله، دخل المشهد السياسي اللبناني نفقاً من الجمود الساخن، بعد تعثر المحاولات الرامية لتوحيد الموقف الرسمي بين الرؤساء الثلاثة (جوزيف عون، نبيه بري، ونواف سلام).
ورغم الجهود الدبلوماسية، ولا سيما المسعى الذي قادته المملكة العربية السعودية لترتيب لقاء ثلاثي في قصر بعبدا، إلا أن التباين الحاد في الرؤى أدى إلى تأجيل الاجتماع إلى موعد غير مسمى، في إشارة واضحة إلى تفاقم المأزق الداخلي.
أسباب التأجيل: بين التصعيد الميداني والشرخ السياسي
أرجعت مصادر صحيفة “نداء الوطن” أسباب تأجيل اللقاء الذي كان مرجحاً انعقاده اليوم الأربعاء إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، معتبرة أن التصعيد المستمر يحول دون بلورة موقف موحد حيال ملف المفاوضات.
كما لم تستبعد الصحيفة أن تكون تداعيات رد الرئيس عون الأخير على “حزب الله” قد ساهمت في تعقيد أجواء اللقاء وإرجائه.
من جهتها، رأت مصادر صحيفة “الجمهورية” أن تأجيل الاجتماع (الذي كان مقرراً أصلاً يوم الاثنين الماضي) يعد علامة على “تفاقم عميق للمأزق اللبناني”، عازية الدافع الأساسي لهذا الإلغاء أو التأجيل إلى السخونة العالية في المواقف المتضاربة بين “حزب الله” من جهة، ورئيسي الجمهورية والحكومة من جهة أخرى.
بري والمفاوضات المباشرة: ثوابت “لا تقبل المقايضة”
في خضم هذا الانقسام، برز موقف حاسم لرئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث أكد مكتبه الإعلامي، بحسب ما نقلت “الجمهورية”، أن “الثوابت هي الثوابت ولن نقايض عليها تحت أي ظرف”، مشدداً على الرفض القاطع للتفاوض المباشر مع إسرائيل. ويصر بري على ضرورة تحقيق وقف إطلاق نار شامل والتزام إسرائيلي بالانسحاب قبل الخوض في أي تفاصيل أخرى.
وفيما وصفت مصادر “نداء الوطن” بري بأنه “مستاء ويشعر بالإحراج أمام بيئته الشيعية” نتيجة عجز المبادرات، أشارت إلى أن التواصل بينه وبين الرئيس عون لم ينقطع، وأن خطوط الاتصال مفتوحة، معتبرة أن ما يؤخر اللقاء المباشر هو انشغال رئيس المجلس بالأولوية القصوى المتمثلة في وقف إطلاق النار ومعالجة أزمة النزوح.
هواجس “الهدنة” الجديدة: شروط واشنطن وتحدي “لقاء واشنطن”
وكشفت تقارير “الجمهورية” عن تحول خطير في مفهوم “الهدنة” لدى واشنطن وتل أبيب؛ إذ لم تعد تعني وقف الأعمال العدائية بقدر ما باتت تمثل “تفويضاً مفتوحاً لإسرائيل بممارسة الضربات الاستباقية”.
وأشارت الصحيفة إلى أن دعوة ترامب للرئيس عون للقاء نتنياهو في البيت الأبيض تمثل التحدي الدبلوماسي الأكبر، حيث تضغط واشنطن باتجاه “خريطة طريق” تلزم الجيش اللبناني بملاحقة “حزب الله” ونزع سلاحه.
وفي هذا السياق، أبدى مصدر رسمي عبر “نداء الوطن” تخوفه من سقوط الضمانات الأميركية بتحييد بيروت والمدنيين في أي لحظة، مشيراً إلى أن لقاء “عون – نتنياهو” المفترض في واشنطن يجب أن يأتي “تتويجاً لاتفاق” وليس سابقاً له، وفقاً لمنطق المفاوضات.
مآلات المرحلة: العودة للهدنة أم “المنطقة العازلة”؟
ونقلت “الجمهورية” عن مصدر سياسي مواكب قوله إن غالبية المكونات السياسية باتت تميل للمطالبة بالعودة إلى “اتفاق الهدنة” المطور بما يلائم القرارات الدولية (425 و1701)، دون التنازل عن السيادة، وذلك هرباً من “اتفاق سلام” يريده العدو على قياسه.
وخلصت المصادر إلى أن تأجيل اللقاء الثلاثي هو اعتراف ضمني بأن أنصاف الحلول لم تعد مقبولة دولياً، وأن لبنان يقف أمام مفترق طرق: إما تغيير حقيقي في استراتيجية التعامل الداخلي مع السلاح والمفاوضات، أو مواجهة خطر “المنطقة العازلة” التي قد تثبتها إسرائيل كأمر واقع دائم.

