تشهد سياسات إيران تجاه معارضيها المقيمين في الخارج تصعيداً ملحوظاً، حيث لم تعد الإجراءات مقتصرة على الملاحقة السياسية التقليدية، بل توسعت لتشمل أدوات ضغط إدارية وقانونية ومالية معقدة، فضلاً عن استهداف ذوي المعارضين داخل البلاد في محاولة لفرض الصمت، وهو ما يصفه مراقبون وحقوقيون بـ”القمع العابر للحدود”.
وتشير التقارير الحقوقية والإعلامية إلى أن السلطات الإيرانية باتت تستخدم اعتقال أو استدعاء أفراد عائلات النشطاء كوسيلة ابتزاز مباشرة.
وبالتوازي مع هذا الترهيب الشخصي، اتجهت طهران إلى تضييق الخناق الإداري، إذ أصدر المدعي العام الإيراني محمد كاظم موحدي قراراً قضائياً يُلزم وزارة الخارجية بوقف العمل بخدمة إعداد وتوثيق “الوكالات الخاصة بنقل الملكيات” عبر منظومة “ميخك” الإلكترونية، وهي الأداة الرئيسية التي يعتمد عليها الإيرانيون في الخارج لإدارة شؤونهم وممتلكاتهم داخل البلاد.
وفي إطار العقوبات المالية، أعلنت السلطات القضائية -بدعم من وسائل إعلام تابعة للحرس الثوري كوكالة “فارس”- عن مصادرة أصول وممتلكات أكثر من 400 شخصية معارضة وإعلامي مقيم في الخارج، تحت ذريعة “قانون تشديد عقوبات التجسس والتعاون مع الدول المعادية”، موجهةً لهم تهم “دعم العدو” في مسعى لتجميد ثرواتهم كأداة ضغط.
ولا تتوقف هذه الحملة عند حدود القانون والمال، بل تمتد إلى التهديد المباشر للصحفيين والمؤسسات الإعلامية الناطقة بالفارسية مثل “بي بي سي فارسي” و”إيران إنترناشونال”.
وقد أفادت تقارير، منها ما نشرته صحيفة “الغارديان”، عن مواجهة هؤلاء الصحفيين لتهديدات متصاعدة بالعنف الجسدي، تجسدت في حوادث عملية مثل محاولة حرق مكاتب “إيران إنترناشونال” في لندن.
وفي قراءة لهذه التطورات، يرى الكاتب الحقوقي وخبير الشأن الإيراني، نظام مير محمدي، أن هذه الممارسات ليست حوادث متفرقة، بل هي سياسة رسمية ثابتة تُدار بعقلية “القمع العابر للحدود”.
ويوضح “محمدي” أن النظام الإيراني، في عجزه عن كسر إرادة الشعب في الداخل، يحاول نقل ساحة الصراع إلى الخارج عبر شبكة من التجسس، والتحريض، ومحاولات الخطف والاغتيال، واستخدام البعثات الدبلوماسية كمراكز تشغيل لهذه العمليات.
ويشدد “محمدي” في ختام تحليله على أن هذه الملاحقات تشكل اختباراً حقيقياً للدول المضيفة، مؤكداً أن حماية المعارضين ليست مجرد قضية خلاف سياسي، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية تتطلب مواجهة حازمة ضد محاولات النظام الإيراني لترهيب الأصوات المعارضة خارج حدود جغرافيته.

